رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

من الضربة المؤجلة إلى الصفقة المحتملة: كيف يدير ترامب الأزمة الإيرانية؟

الرئيس الأمريكي دونالد
الرئيس الأمريكي دونالد ترامب - أرشيفية

في مشهد يبدو متناقضًا ظاهريًا، يواصل دونالد ترامب إطلاق تصريحات حاسمة حول "انتهاء الحرب مع إيران" و"تدمير مشروعها النووي"، و"سقوط النظام"، في الوقت الذي يتحرك فيه على مسار موازٍ نحو التفاوض مع طهران، مع تأجيل توجيه ضربات مباشرة لمنشآتها النفطية، هذا التناقض ليس ارتباكًا بقدر ما يعكس استراتيجية مركبة تقوم على إدارة الصراع لا حسمه، وتوظيف أدوات الضغط القصوى دون الانزلاق إلى حرب شاملة قد تخرج عن السيطرة.

وذلك وفق ما صرح به الرئيس الأمريكي دونالد ترامب" نجري مباحثات مع إيران لتحديد ما إذا كان يمكن التوصل إلى اتفاق أوسع"، مضيفا "أجرينا نقاشات جيدة جدا ونتفاوض مع إيران منذ فترة طويلة وهم جادون الآن ويريدون التسوية ونأمل أن نحقق ذلك، وقد طلبت من وزارة الحرب تأجيل الضربات ضد منشآت الطاقة الأساسية في إيران".

 ومن جانب أخر؛ نفى المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية، مزاعم إجراء أي محادثات مع الولايات المتحدة طوال فترة الحرب المفروضة التي استمرت 24 يوماً، مصرحاً بأن موقف إيران بشأن مضيق هرمز والشروط المسبقة لإنهاء الحرب لا يزال كما هو تماماً، بحسب ما نقلت عنه وكالة إيرنا.

وقال الدول الصديقة أرسلت في الأيام الأخيرة رسائل تشير إلى أن أمريكا طلبت إجراء محادثات لإنهاء الحرب وإيران لم ترد، مشيرة إلى أن "إيران لم تجر أي محادثات مع أمريكا".

وفي السياق ذاته، قال رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف: "يطالب شعبنا بإنزال عقاب كامل ومؤلم بالمعتدين، جميع المسؤولين يقفون بحزم خلف قائدهم وشعبهم حتى يتم تحقيق هذا الهدف"، مؤكدا: "لم تُجرَ أي مفاوضات مع الولايات المتحدة؛ تُستخدم الأخبار الكاذبة للتلاعب بالأسواق المالية والنفطية والهروب من المأزق الذي وقعت فيه الولايات المتحدة وإسرائيل".

الهجوم على إيران 
الهجوم على إيران 

أولًا: إدارة الصراع لا حسمه

رغم التصعيد الخطابي، يدرك ترامب أن توجيه ضربة مباشرة لمنشآت النفط الإيرانية قد يؤدي إلى انفجار إقليمي واسع، خاصة في ظل هشاشة الوضع في مضيق هرمز، الذي لا تزال إيران تملك القدرة على تهديده أو تعطيله جزئيًا.

وبالتالي يمكن فهم تأجيل الضربة باعتباره كـ"أداة للتفاوض"، وإبقاء التهديد العسكري قائمًا لانتزاع تنازلات، أو كـ"تكتيك للاحتواء"، لمنع إيران من التصعيد دون دفعها إلى رد غير محسوب.

ثانيًا: أهداف ترامب من التفاوض مع إيران

1-  فرض اتفاق بشروط أمريكية

يسعى ترامب إلى إعادة صياغة الاتفاق النووي بما يتجاوز نموذج الاتفاق النووي الإيراني 2015، ليشمل البرنامج الصاروخي الإيراني، والنفوذ الإقليمي، وآليات رقابة أكثر صرامة، 

2-  إعلان نصر سياسي دون حرب

التفاوض يمنح ترامب فرصة تسويق "انتصار استراتيجي" داخليًا من خلال تدمير البرنامج النووي (خطابيًا أو جزئيًا)، وإجبار إيران على التراجع، ودون تكلفة حرب شاملة

3- احتواء الحلفاء قبل الخصوم

الولايات المتحدة تدرك أن أي ضربة كبرى ستربك حلفاءها في أوروبا والخليج، خاصة مع مخاوف من ارتفاع أسعار الطاقة، وتصاعد موجات لجوء جديدة، واضطراب الأسواق.

4- إعادة ترتيب أولويات الصراع

ترامب يضع نصب عينيه أن المواجهة الكبرى ليست مع إيران بل مع الصين، وبالتالي لا يريد استنزافًا طويلًا في الشرق الأوسط، ويفضل "تجميد" الملف الإيراني بدل تفجيره.

الهجوم على إيران 
الهجوم على إيران 

ثالثًا: لماذا تم تأجيل ضرب المنشآت النفطية؟

 يعتبر الهدف الرئيس من تأجيل عملية الضرب يتمثل في الخشية من صدمة نفطية عالمية، لا سيما أن أي استهداف مباشر للمنشآت النفطية الإيرانية سيؤدي إلى ارتفاع حاد في أسعار النفط، واضطراب إمدادات الطاقة العالمية، فضلا عن التأثير المباشر على الأسواق، بجانب تهديد سلاسل الإمداد، خاصة أن تعطيل الملاحة في مضيق هرمز قد يعرقل نحو 20% من تجارة النفط العالمية، وتعطيل حركة الشحن البحري، ومن ثم سلاسل التوريد الصناعية، ويضاف إلى ذلك  ردود الفعل غير المتوقعة إذ قد إيران تلجأ إلى ضرب المزيد من القواعد الأمريكية في المنطقة، وتفعيل أذرعها الإقليمية، واستهداف ناقلات النفط، كما أن ترامب يضع في حساباته الانتخابات الأمريكية، خاصة أن أي حرب مفتوحة قد تتحول إلى عبء انتخابي على دونالد ترامب، خاصة إذا ارتفعت أسعار الوقود داخليًا، وزادت الخسائر البشرية.

رابعًا: تداعيات الوضع على الاقتصاد العالمي

لا شك في أن التوتر المستمر دون حسم يؤدي إلى تقلبات حادة في أسعار النفط، وارتفاع تكاليف الإنتاج عالميًا، وخلخلة سلاسل الإمداد في ظل استمرار القلق من إغلاق مضيق هرمز والذي ينعكس على بالتبعية على شركات الشحن، والصناعات الثقيلة، وارتفاع التأمين البحري، ما سينتج عنه تباطؤ في النمو الاقتصادي خاصة أن حالة عدم اليقين تدفع المستثمرين إلى الحذر، والأسواق إلى التذبذب، مع احتمالات الركود للارتفاع في الأسعار.

وتشير تقديرات خبراء الاقتصاد إلى أن قراءات مؤشرات مديري المشتريات (PMI) في الولايات المتحدة ومنطقة اليورو وعدة اقتصادات رئيسية ستسجل تراجعاً خلال مارس، بما يعكس ضعفاً في قطاعات التصنيع والخدمات، بعد نحو ثلاثة أسابيع من الهجمات التي شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران، وما تبعها من اضطرابات في أسواق الطاقة والتجارة العالمية.

وقد أدت التوترات إلى ارتفاع أسعار النفط والغاز نتيجة المخاوف بشأن سلامة طرق الشحن والإمدادات، خاصة عبر الممرات الحيوية في الشرق الأوسط، مما زاد من احتمالات ارتفاع تكاليف الإنتاج والنقل عالمياً، وبالتالي زيادة الضغوط على أسعار المستهلكين، بحسب تقرير لوكالة “بلومبرج” الإخبارية.

وقال كبير الاقتصاديين في مؤسسة ستاندرد آند بورز جلوبال، كريس ويليامسون، إن تأثير الحرب على التضخم أصبح محور اهتمام رئيسي للبنوك المركزية، موضحاً أن صناع السياسات يراقبون أيضاً مؤشرات الطلب وثقة الشركات لتقييم مخاطر تباطؤ النمو.

ويرى محللون أن استمرار التوترات في الشرق الأوسط قد يؤدي إلى اضطرابات إضافية في سلاسل الإمداد العالمية، خصوصاً في قطاعات الطاقة والبتروكيماويات والنقل البحري، مما قد يرفع تكاليف الإنتاج ويؤثر على معدلات النمو في الاقتصادات الصناعية والناشئة على حد سواء.

الرئيس الإيراني مسعود  بزشكيان
الرئيس الإيراني مسعود  بزشكيان

كما يتوقع أن تؤثر حالة عدم اليقين الجيوسياسي على قرارات الاستثمار العالمية، خاصة في القطاعات المرتبطة بالطاقة والتكنولوجيا، في وقت تسعى فيه الشركات إلى إعادة تقييم استراتيجياتها لمواجهة المخاطر المحتملة.

ويترقب المستثمرون أيضاً قرارات السياسة النقدية في عدد من الاقتصادات، من بينها النرويج وجنوب أفريقيا والمكسيك وتشيلي، وسط توقعات بأن تدفع التطورات الجيوسياسية العديد من البنوك المركزية إلى تبني نهج أكثر حذراً خلال الفترة المقبلة.

ويؤكد خبراء أن استمرار ارتفاع أسعار الطاقة أو اتساع نطاق التوترات قد يزيد الضغوط على الاقتصاد العالمي، مما يرفع احتمالات تباطؤ النمو ويدفع صناع القرار إلى موازنة صعبة بين دعم النشاط الاقتصادي واحتواء التضخم.

خامسًا: الدور المصري 

تحركت مصر وفق نمطها التقليدي في إدارة الأزمات الإقليمية، عبر قنوات اتصال غير مباشرة، إذ تمللك القاهرة ت شبكة علاقات متوازنة مع واشنطن، والعواصم الخليجية، فضلا عن الأطراف الإقليمية على تماس مع إيران، ما سمح لها بلعب دور "الناقل الصامت" للرسائل، خصوصًا في لحظات التصعيد.

كما أن مصر تدرك أن أي انفجار في مضيق هرمز سيؤثر مباشرة على أمن الطاقة، وحركة الملاحة عبر قناة السويس، ومن ثم الاقتصاد المصري، لذلك دفعت باتجاه احتواء التصعيد لا توسيعه، إذ شجعت القاهرة على مقاربة "الضغط مع فتح باب التفاوض"، بما يتسق مع رؤيتها لضرورة الحلول السياسية في أزمات المنطقة.

منشآت النفط الإيراني 
منشآت النفط الإيراني 

وبالتالي فإن التدخل المصري والخليجي ساهم في خلق معادلة جديدة لا حرب شاملة، ولا انتصار حاسم، وتفاوض تحت الضغط، وهي معادلة تعكس انتقال الصراع من "حافة الانفجار" إلى "إدارة الأزمة"، وبالتالي التدخل المصري مع دول الخليجي يمثل تأثير حقيقي ومحوري، ليس فقط في تهدئة التصعيد، بل في إعادة توجيه مسار الأزمة بالكامل نحو التفاوض.

ففي لحظة كانت تقترب فيها المنطقة من مواجهة مفتوحة، لعبت هذه الأطراف دور “العقل الإقليمي”، الذي يدرك أن كلفة الحرب لن تكون عسكرية فقط، بل اقتصادية واستراتيجية قد تعيد تشكيل المنطقة لعقود قادمة.

دخول مصر وعدد من دول الخليج على خط الأزمة لم يكن هامشيًا، بل لعب دور "صمام أمان" في نقل الصراع من حافة الانفجار إلى مساحة التفاوض، عبر مزيج من الوساطة الهادئة والضغط غير المباشر.

سادسًا: مفارقة "النصر المعلن والهزيمة المؤجلة"

إعلان "انتصار كامل" على إيران يتناقض مع استمرار التفاوض، وعدم السيطرة على مضيق هرمز، وبقاء أدوات الردع الإيرانية، وهذه المفارقة تكشف أن الصراع لم يُحسم بل تم نقله إلى مستوى "إدارة الأزمة"، خاصة أن ما يقوم به دونالد ترامب ليس تراجعًا بقدر ما هو إعادة تموضع تكتيكي، يوازن بين الضغط العسكري والتفاوض السياسي، والاعتبارات الاقتصادية، إذ أن واشنطن لا تسعى حاليًا إلى إسقاط إيران عسكريًا، بل إلى إعادة تشكيل سلوكها ضمن معادلة ردع جديدة، دون إشعال حرب قد تعصف بالاقتصاد العالمي وتكلف الإدارة الأمريكية ثمنًا سياسيًا داخليًا باهظًا.

مضيق هرمز 
مضيق هرمز 

وفي مقال بصحيفة نيويورك تايمز الأمريكية، تناول الحسابات الأساسية الخاطئة لترامب في الدخول في الحرب مع إيران، كتبه الجندي السابق في البحرية الأمريكية والروائي فيل كلاي، الذي شارك في حرب العراق، مشيرًا إلى أن مبررات الحرب متضاربة بشدة، ربما كانت بهدف تغيير النظام، أو حول البرنامج النووي الإيراني، أو حول الأهداف العسكرية الضيقة المتمثلة في إضعاف قدراتهم الصاروخية الباليستية والطائرات المسيرة، وما إلى ذلك.

ورأى كلاي أن أحد مبررات هذه الحرب الواضحة بالنسبة للإدارة الأمريكية الحالية، يتمثل في "متعة استعراض العنف والهيمنة"، واستند إلى تصريح للرئيس ترامب قال فيه إن مسؤولين عسكريين أخبروه أن "إغراق السفن أكثر متعة" من الاستيلاء عليها.. لكن يبدو أن هؤلاء الرجال لا يدركون، أو لا يكترثون، أن لغتهم القائمة على القوة الغاشمة تمثل انفصالاً عن التقاليد الأمريكية المتعلقة بالحرب، والتي تعود إلى الثورة الأمريكية.

وتطرق الكاتب إلى "حروب أمريكا الفاشلة" مثل حرب فيتنام وحرب العراق، وقال إن "هزائمنا كانت مرتبطة بفشلنا في إدراك أن لشعوب الدول الأخرى عواطفها وقيمها الخاصة، وأنها قد لا تكون مجرد انعكاس لرغباتنا"، وانتقد تصريحات وزير الدفاع بيت هيغسيث، التي قال فيها إن "سيطرتنا على المجال الجوي والممرات المائية الإيرانية، تجعلنا نتحكم في مصيرها"، و"سنحدد شروط هذه الحرب في كل خطوة".

وعلق على هذه التصريحات قائلاً، كان من المفترض أن يكون هيغسيث، وهو من قدامى المحاربين في العراق، أكثر وعياً. للعدو دائمًا رأي، وحتى بعد حملة عسكرية منتصرة، قد تكون لتأثيرات الحرب على السكان عواقب معقدة وغير مرغوب فيها، بل وكارثية في بعض الأحيان، ونصح كلاي بضرورة النظر إلى الدول المعادية كدول معقدة مليئة بالبشر، وهذا السبب تحديدًا هو ما يفسر "فشل إدارة ترامب" في توقع العواقب المحتملة الواضحة للعمل العسكري في إيران.

الهجوم الأمريكي على إيران 
الهجوم الأمريكي على إيران 

ختامًا: 

وفي ظل هذا المشهد، يبقى مضيق هرمز هو نقطة الاختبار الحقيقية: فإما أن يتحول إلى ورقة ضغط تفاوضية، أو إلى شرارة انفجار تعيد رسم خريطة الصراع في الشرق الأوسط والعالم، خاصة أن سلوك الرئيس دونالد ترامب تجاه إيران يكشف عن نموذج معقد لإدارة الأزمات يقوم على صناعة "نصر إعلامي" يوازيه "تأجيل محسوب للحسم العسكري"، فالتصعيد الخطابي لم يكن هدفه الحرب بقدر ما كان أداة لفرض معادلة تفاوضية جديدة، تُبقي واشنطن في موقع المبادرة دون الانزلاق إلى كلفة مواجهة مفتوحة.

هذه المقاربة تعكس إدراكًا عميقًا بأن لحظة الانفجار، إذا وقعت، لن تكون محصورة في حدود الجغرافيا الإيرانية، بل ستمتد إلى الاقتصاد العالمي وسلاسل الإمداد، مرورًا بأمن الطاقة في مضيق هرمز، وهو ما يجعل "اللا حسم" خيارًا استراتيجيًا مؤقتًا، وليس عجزًا دائمًا.

وبرز الدور الإقليمي، خصوصًا من جانب مصر ودول الخليج، كعامل توازن حال دون تحول التصعيد إلى مواجهة شاملة، عبر دفع الأطراف نحو مساحة وسطى عنوانها "التفاوض تحت الضغط"، بما يعكس انتقال الصراع من منطق الصدام المباشر إلى هندسة توازنات أكثر تعقيدًا.

وعليه، فإن مفارقة "النصر المعلن والهزيمة المؤجلة" لا تعني تناقضًا بقدر ما تعكس طبيعة المرحلة، صراع مفتوح بلا نهاية قريبة، تُدار فصوله بالأدوات السياسية والاقتصادية بقدر ما تُدار بالقوة العسكرية؛ ويبقى مستقبل هذه المعادلة مرهونًا بقدرة الأطراف على ضبط إيقاع التصعيد، لأن أي اختلال مفاجئ - خصوصًا في مضيق هرمز- قد يحول هذا التوازن الهش من "إدارة أزمة" إلى "أزمة بلا إدارة"، تعيد تشكيل المشهد الإقليمي والدولي بالكامل.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء