رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

هل تدفع الحرب الأمريكية الإيرانية قطاع التأمين نحو أزمة غير مسبوقة؟|تقرير

صورة أرشيفية
صورة أرشيفية

مع دخول المواجهة العسكرية بين الولايات المتحدة وإيران مرحلة أكثر حدة منذ الضربات الأمريكية التي استهدفت مواقع داخل طهران في 28 فبراير 2026، وما تبعها من ردود إيرانية مباشرة ومحتملة باستخدام الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة، تحولت منطقة الخليج العربي ومضيق هرمز إلى بؤرة صراع مفتوحة. 

هذا التصعيد لم يقتصر تأثيره على الجوانب العسكرية أو السياسية فقط، بل امتد سريعًا إلى قطاعات اقتصادية حيوية، وعلى رأسها صناعة التأمين، التي وجدت نفسها في قلب عاصفة المخاطر غير المسبوقة.

 

في هذا السياق، أصدر اتحاد شركات التأمين المصرية دراسة تحليلية موسعة تناولت التداعيات المباشرة وغير المباشرة للأزمة على سوق التأمين محليًا وإقليميًا. 

وأكد الاتحاد أن المرحلة الحالية تتطلب قدرًا عاليًا من الجاهزية والمرونة، في ظل بيئة عالمية تتسم بعدم اليقين وتسارع التحولات الجيوسياسية، مشددًا على أن الوعي بطبيعة الأخطار الجديدة هو خط الدفاع الأول لشركات التأمين.

مظاهر التأثير المباشر

أحد أبرز مظاهر التأثير المباشر للحرب تمثل في إعادة تقييم تغطيات “تأمين أخطار الحرب”، خاصة في قطاع النقل البحري، فقد أعلنت شركة Skuld النرويجية إلغاء تغطية أخطار الحرب للسفن العاملة في مياه الخليج والمياه الإقليمية الإيرانية، مع منح مهلة قصيرة لا تتجاوز 72 ساعة، وهو قرار يعكس حجم القلق المتزايد من احتمالات استهداف السفن التجارية أو تعرضها لأعمال عدائية.

 

كما قام الصندوق العربي لتأمين أخطار الحرب بتعليق التغطية للسفن العابرة في مناطق شديدة الحساسية مثل مضيق هرمز وباب المندب، مع الإبقاء على إمكانية استئناف التغطية وفق شروط أكثر صرامة وبتكلفة أعلى.

 

هذه الإجراءات لم تكن مجرد ردود فعل احترازية، بل تمثل تحولًا جوهريًا في تسعير المخاطر، فقد شهدت أقساط التأمين البحري ارتفاعات حادة، حيث تشير التقديرات إلى زيادات تتراوح بين 25% و50% في الحالات التقليدية، بينما قفزت في بعض المسارات عالية الخطورة إلى مستويات قد تتجاوز 300%. 

 

ويرتبط ذلك بارتفاع احتمالات التعرض لعمليات احتجاز السفن أو الهجمات المباشرة، فضلًا عن ما يُعرف بـ"القرصنة السياسية" المرتبطة بالصراعات العسكرية.

 

ولم يقتصر التأثير على النقل البحري فقط، بل امتد إلى قطاعات أخرى مثل الطيران والطاقة، فقد أدى إغلاق بعض المجالات الجوية وتزايد مخاطر استهداف المطارات والبنية التحتية إلى رفع أقساط التأمين على الطائرات، كما ارتفعت تكلفة تأمين المنشآت النفطية ومحطات الطاقة، في ظل المخاوف من هجمات صاروخية أو تخريبية. ووصفت شركة Kennedys Law Firm هذا النزاع بأنه "حدث استثنائي متعدد الأبعاد"، نظرًا لتأثيره المتشابك على سلاسل الإمداد العالمية وتدفقات الطاقة.

 

على المستوى الاستراتيجي، استند اتحاد التأمين المصري إلى تحليلات Morgan Stanley لرسم مجموعة من السيناريوهات المحتملة وتأثيراتها على الاقتصاد المصري. ففي حال التوصل إلى وقف إطلاق نار سريع، من المتوقع أن يظل التأثير محدودًا نسبيًا، مع ضغوط طفيفة على هوامش الائتمان. 

 

أما في سيناريو الضربات المحدودة مع رد إيراني محسوب، فقد تتسع فروق العائد بنحو 30 إلى 40 نقطة أساس، مع ضغوط معتدلة على سعر الصرف.

 

غير أن السيناريوهات الأكثر تشاؤمًا تظل مرتبطة باتساع نطاق الصراع أو تعطل الملاحة في مضيق هرمز، وهو ما قد يؤدي إلى اضطرابات حادة في الأسواق الناشئة، وارتفاع كبير في تكاليف التمويل، فضلًا عن موجات تضخمية نتيجة ارتفاع أسعار الطاقة وتكاليف الشحن.

 

ورغم أن العلاقات التجارية المباشرة بين مصر وإيران محدودة للغاية، فإن الاقتصاد المصري ليس بمنأى عن تداعيات هذه الأزمة، فارتفاع تكاليف التأمين والشحن ينعكس بشكل مباشر على أسعار السلع المستوردة، خاصة الغذاء والمواد الخام. 

 

وفي هذا الإطار، أشار عبد المنعم السيد إلى أن أقساط التأمين البحري والنولون قد ترتفع بنسب تتراوح بين 30% و50% على بعض الخطوط الملاحية، ما يزيد من الضغوط على فاتورة الواردات.

 

كما حذر من أن تكلفة واردات الطاقة قد ترتفع بما يتراوح بين 400 و600 مليون دولار سنويًا، وهو ما يمثل عبئًا إضافيًا على الموازنة العامة، ولا يقل خطورة عن ذلك احتمال تراجع إيرادات قناة السويس، في حال لجأت شركات الشحن إلى تغيير مساراتها نحو طريق رأس الرجاء الصالح لتفادي مناطق التوتر، وهو ما قد يحرم مصر من أحد أهم مصادر النقد الأجنبي.

 

هذه التطورات مجتمعة تغذي الضغوط التضخمية، وتضع الجنيه المصري تحت مزيد من التحديات، في وقت تسعى فيه الدولة إلى تحقيق استقرار اقتصادي في بيئة عالمية شديدة التقلب. 

 

ومن هنا، شدد اتحاد التأمين على ضرورة أن تبادر الشركات العاملة في السوق المصري إلى إعادة تقييم سياساتها التأمينية، وتعزيز قدراتها على إدارة المخاطر، وتطوير منتجات تأمينية أكثر مرونة تتناسب مع طبيعة المرحلة.

 

لم تعد الردود الإيرانية، سواء التي حدثت بالفعل أو تلك المحتملة، مجرد تحركات عسكرية عابرة، بل أصبحت عاملًا رئيسيًا في إعادة تشكيل خريطة المخاطر العالمية، ومع تحول مضيق هرمز إلى منطقة عالية الخطورة، باتت صناعة التأمين في مواجهة اختبار حقيقي لقدرتها على التكيف مع واقع جديد يتسم بالتقلب والتعقيد، ويبقى الاستعداد المسبق، والتخطيط الاستراتيجي، والتنسيق بين الجهات المعنية، عناصر حاسمة لضمان استقرار السوق المصري وتقليل حدة الصدمات الاقتصادية المحتملة.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء