رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

من الإخوان إلى داعش.. كيف صنعت "أم مصعب" خريطة الدم؟

أم مصعب برفقة ابنها
أم مصعب برفقة ابنها - أرشيفية

كثيرًا ما تُجسَّد الدراما فكرة ”رأس الأفعى“ باعتبارها المركز الخفي الذي يُحرّك الخيوط من وراء الستار،  حيث لا تكون الخطورة في الأذرع المنفذة بقدر ما تكمن في العقل المدبّر، والشبكة الممتدة التي تغذي العنف وتعيد إنتاجه عبر الزمن. 

غير أن الواقع، في بعض الأحيان، يتجاوز الخيال حين تتجسد هذه الفكرة في شخصيات حقيقية لعبت أدوارًا محورية في الربط بين أجيال متعاقبة من الفكر المتطرف والتنظيمات الإرهابية.

ومن ثم تبرز قضية أمل عبد الفتاح  عبده إسماعيل، المعروفة بـ"أم مصعب" و"أم المثنى"، كنموذج كاشف لطبيعة هذه الشبكات المركبة، التي لا تقوم فقط على العمل التنظيمي المباشر، بل تمتد إلى دوائر التأثير الفكري، فمنذ إلقاء القبض عليها في يونيو 2018، على خلفية اتهامات بدعم وتمويل خلايا تابعة لتنظيم داعش في مصر، تكشّف مسار طويل من الارتباطات الأيديولوجية والتنظيمية، يبدأ من رحم جماعة الإخوان والتيار القطبي، ويمتد إلى تنظيمات أكثر عنفًا وتطرفًا.

عبد الفتاح عبده اسماعيل 
عبد الفتاح عبده اسماعيل 

ولا تتوقف أهمية هذه الحالة عند حدود الاتهامات الجنائية، بل تتجاوزها إلى كونها حلقة وصل بين أجيال مختلفة من الحركات المتطرفة، حيث تداخلت في سيرتها مسارات التاريخ العنيف منذ قضايا التنظيمات الجهادية في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، وصولًا إلى شبكات الإرهاب الحديثة. وهو ما يجعل دراسة هذه الحالة مدخلًا لفهم أعمق لكيفية تشكّل “رؤوس الأفاعي” داخل البنى الفكرية والتنظيمية، وقدرتها على البقاء وإعادة التشكل رغم الضربات الأمنية المتلاحقة.

كانت تبلغ "أم مصعب" من العمر 55 عاما، عندما تم اتهامها بدعم وتمويل الخلايا الإرهابية التابعة لتنظيم داعش فى مصر، عقب قرار إحالتها للمحاكمة الجنائية فى القضية رقم 23 لـسنة 2017 جنايات أمن الدولة، والمعروفة إعلاميا بـ"ولاية الصعيد".

وتعتبر "أم مصعب" بمثابة حلقة الوصل الفكري بين الإخوان والقطبيين والدواعش،  إذ أن جذورها إخوانية، لكنها كانت الداعم الأساسي في تمويل خلية "ولاية الصعيد"، المسؤولة عن تفجيرات الكنائس الأخيرة التي وقعت في مصر،  وأحالة نيابة أمن الدولة العليا،  خلالها أوراق 68 متهماً، إلى محكمة الجنايات، بتهمة اعتناق الأفكار التكفيرية.
كانت أمل عبد الفتاح عبده إسماعيل، المكناة  بـ"أم مصعب"، متورطة في قضية تنظيم الجهاد الكبرى عام 1981.

"أم مصعب"، هي الابنة الصغرى لـ عبد الفتاح عبده إسماعيل، أحد المخططين لإعادة إحياء تنظيم الإخوان عام 1965، بالاشتراك مع زينب الغزالي، وسيد قطب، وكانت ضمن الاعتقالات في قضية "الجهاد الكبرى"، التي ضمت 302 متهم، سواء المشاركون والمخططون لاغتيال الرئيس السادات عام 1981، أو الذين خططوا لقلب نظام الحكم، واستمرت القضية لنحو 4 سنوات، وكان على رأس المتهمين فيها أيمن الظواهرى، زعيم تنظيم الجهاد آنذاك، وزعيم تنظيم "القاعدة" حالياً، إضافة إلى جميع قادة الجناح العسكري للجماعة الإسلامية.

حُبست "أم مصعب"، بسجن النساء بالقناطر الخيرية بمحافظة القليوبية، والتقت داخله بعدد من القيادات النسائية المصرية، أمثال الدكتور صافيناز كاظم، ولطيفة الزيات، وفريدة النقاش. اللتي تم اعتقالهن سياسيا، في أحداث 3 سبتمبر1981،  ونفذها الرئيس المصري الراحل محمد أنور السادات، ضد صفوف عدد من القوى الساسية بسبب اعتراضهم على اتفاقية" كامب ديفيد".

يوسف هواش 
يوسف هواش 

عقب الافراج عن الدكتورة صافيناز كاظم، التقت بالرئيس محمد حسني مبارك، برفقة عدد من القوى السياسية، وطالبته حينها بالإفراج عن "أم مصعب"، بسبب حملها، وتأخر حالتها الصحية، فأصدر الرئيس مبارك قرارا بالإفراج عنها، مراعاة لظروفها، رغم تورطها بشكل كبير في قضية "الجهاد الكبرى".

سهيل أحمد الماحي،  ابن "أم مصعب"، هو أحد عناصر حركة "حسم" الإخوانية،  وتم تصفيته في مواجهة مسلحة، بمحافظة الإسماعيلية في منتصف يوليو 2017، و ابنها "المثني"، سافر لدولة ليبيا، وانضم للتنظيمات الإرهابية هناك، والمرجح مقتله هناك، إضافة أن ولديها "حنظلة ومصعب"، تم القبض عليهما في خلية داعش الصعيد.

كما أن ابن أخيها نجيب عبد الفتاح إسماعيل، الشهير بـ"أبو عمار"، تورط في تشكيل خلايا تابعة لجماعة "التوقف والتبين"، أو تنظيم "الناجون من النار"، من داخل قرية السواحل بمحافظة دمياط.

أمل عبد الفتاح عبده إسماعيل، الشهيرة بـ"أم مصعب"، هي زوجة أحمد أحمد الماحي، الذي كان مسجونا في هذه قضية"التوقف والتبين"،  وكان قبلها إمام لمسجد المطراوي، بحي المطرية بالقاهرة، لعدة سنوات، حيث يعتبر من أحد أهم المعتنقين لفكر جماعة "التوقف والتبين"، التي أسسها نجيب عبد الفتاح إسماعيل، ابن الشيخ عبد الفتاح عبده إسماعيل، أحد قيادات التيار القطبي في مصر.

كان مسجد المطراوي، بحي المطرية، شاهدا على عمليات التخطيط لتنفيذ مذبحة الفنية العسكرية، والتي تعتبر أول محاولة للإنقلاب العسكري المسلح من قبل التيار الإسلامي، ضد الرئيس الرحال محمد أنور السادات، في 18 أبريل 1974،  وأسفرت عن مقتل 17 وإصابة 65،  وهدفت لإعلان الجمهورية المصرية الإسلامية، حيث استولوا على أسلحة بقيادة صالح سرية، الفلسطيني الأصل، الذي صدر حكم بالإعدام ضده فيما بعد، وعرفت فيما بعد تلك الخلية الإرهابية بإسم "تنظيم الفنية العسكرية".

عبد الفتاح إسماعيل، والد "أم مصعب"،  كان المسؤول عن الاتصالات الخارجية لجماعة الإخوان ، وكان ضمن أفراد القضية الأولى في تنظيم 65 الذين حوكموا أمام الفريق أول محمد فؤاد الدجوي، رئيس محكمة أمن الدولة العليا، بتهمة محاولة قلب نظام الحكم، وقتل رئيس الجمهورية وحيازة أسلحة ومفرقعات، وحكم عليه وعلى 6 من رفاقه بالإعدام شنقاً، ونفذ الحكم في 29 أغسطس 1966، في ثلاثة كان هو أحدهم مع سيد قطب، ومحمد يوسف هواش، وخفف الحكم عن الباقين.

نجيب عبد الفتاح إسماعيل، شقيق "أم مصعب"، تم إلقاء القبض عليه في أكتوبر2014، مع ثمانية آخرين بتهمة تكوين خلية تكفيرية تسعى لنشر فكر التكفير والهجرة، داخل البلاد، ووجد بحوزتهم وثائق عن طرق عمل متفجرات وأجهزة كمبيوتر محمولة وبعض خرائط الأماكن الحيوية لمدارس ودور عبادة وعناوين لمحلات مملوكة لأقباط وخرائط لبعض أكمنة الشرطة والجيش، علاوة على وجود أسلحة.

البنا وقيادات الاخوان 
البنا وقيادات الاخوان 

ووجهت له تهمة تشكيل تنظيم للقيام بأعمال العنف، واستهداف مؤسسات الدولة العامة والمهمة والحيوية، والقيام بالأعمال العدائية بدور العبادة الخاصة بأبناء الطائفة المسيحية ومشروعاتهم التجارية ومنشآتهم الشرطية ودورياتهم الأمنية، وحيازة محررات ومطبوعات وتسجيلات تضمن ترويج أفكار تنظيم "الناجون من النار" والتي تهدف لقلب نظام الحكم، ومنع المصلين من إداء الصلاة بالمساجد التابعة لهم، وإقامة الخلافة الإسلامية، وفرض الجهاد على كل مسلم باستعمال القوة .

ترتكز جماعة "التوقف والتبين"، على أفكار تكفر المجتمع صراحة، وتستند في فكرها إلى نقطتين أساسيتين، الأولى جاهلية المجتمعات المعاصرة، والنقطة الثانية وجوب وجود عصبة مؤمنة تستعلي بإيمانها على الجاهلية الموجودة، ويعتبرون أن أعضاء الحكومة والعاملين فيها محاربون لله ورسوله، ويتم إهدار دمهم واستباحة أعراضهم وأموالهم، واستباحة سرقة أموال الدولة لتعينهم على حرب الدولة الكافرة.

ويرجع نشأة فكرة التكفير، والتوقف والتبين في الحكم على المسلمين بكفر أو إسلام، إلى مجموعة من تلاميذ سيد قطب، كانوا أحد أهم اسباب انتشار الفكر التكفيري داخل مصر، وهم: أمين شاهين، وكان يعمل بوكالة الطاقة الذرية، ومصطفى الخضيري، من سوهاج، وعبدالمجيد الشاذلي، وكانوا اعضاء سابقين بجماعة الإخوان ، و أطلق عليهم جماعة "القطبيين" عام 1965.

عمرو فاروق*

كاتب وباحث في شؤون الجماعات الأصولية وقضايا الأمن الإقليمي 

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء