بين طوارئ الطاقة وجاهزية السيستم.. "التعليم" أون لاين" ينتظر الحسم |خاص
جاء التوجيه الحكومي الأخير بالتفكير في العمل أون لاين ليفتح باب التساؤل عن إمكانية أن يتم هذا القرار داخل المدارس والجامعات، ومدى قدرة البنية التكنولوجية داخل هذه المؤسسات التعليمية على تحمل فكرة التعليم عن بعد. وزارتي التربية والتعليم والتعليم العالي، حتى الآن وبحسب مصادر صرحت لـ "إيجبتك" لم تحسما موقفهما بعد من هذا التوجيه الحكومي.
دراسة المقترح بين أعضاء المجلس الأعلى للجامعات
وبحسب مصادر بالمجلس الأعلى للجامعات فمن المقرر أن دراسة المقترح بين أعضاء المجلس الأعلى للجامعات عقب إجازة عيد الفطر، وبحث إمكانية تطبيقه في المقررات الدراسية خلال شهري أبريل ومايو. أما في التربية والتعليم والتعليم الفني، فأكد مصدر بالوزارة أن الموضوع حتى الآن قيد الدراسة وفى انتظار القرار الرسمي حتى يتم التنفيذ وإبلاغ المديريات التعليمية، مشيراً إلى أنه كانت هناك تجربة سابقة وقت أزمة كورونا، وهناك استفادة من التجربة السابقة.
د. تامر شوقي: "التربية والتعليم" الأجدر بالتطبيق لترشيد الهدر وحماية ميزانية الأسر
وعن الخبراء فأكد الدكتور تامر شوقي أستاذ علم النفس التربوي بجامعة عين شمس في تصريحات خاصة لـ "إيجبتك" أن أعتقد أن أجدر الوزارات بتطبيق نظام الأونلاين هي وزارة التربية والتعليم، وذلك نظراً لضخامة أعداد العاملين والمتعاملين معها؛ حيث يبلغ عدد الطلاب أكثر من 25 مليون طالب موزعين على حوالي 63 ألف مدرسة، بالإضافة إلى أكثر من مليون معلم. ومن ثم، فإن تطبيق نظام الأونلاين في المدارس سيحقق عدة فوائد، منها تقليل كمية الهدر الكبيرة الناتجة عن استهلاك مصادر الطاقة المستخدمة في وسائل نقل الطلاب إلى المدارس من بنزين وسولار وغيرها، وكذلك تقليل استهلاك الطاقة الكهربائية في المدارس.

كما يسهم ذلك في تخفيف ازدحام الطرق، مما يساعد على تقليل كميات الهدر الناتجة عن بطء حركة المرور أو توقفها، فضلاً عن أن ذلك يخفف الأعباء الاقتصادية والدراسية على الطلاب وأسرهم.
ضوابط النجاح: التدرج التربوي ونظام "التبادل" لمنع التكدس
ومع ذلك، هناك بعض الضوابط والمتطلبات التي يجب وضعها في الاعتبار عند تطبيق نظام الأونلاين في المدارس، منها:
مراعاة التدرج في عدد أيام الدراسة بنظام الأونلاين؛ حيث يُفضل بوجه عام زيادة عدد أيام الدراسة الأونلاين مع التقدم في الصفوف الدراسية، لتصل إلى يومين أو ثلاثة في المرحلة الإعدادية أو الثانوية، بينما لا تزيد عن يوم واحد أو يومين في الصفوف التأسيسية الأولى، والتي يفضل فيها زيادة جرعات التعليم المباشر.
مراعاة تنظيم أيام الدراسة الأونلاين بشكل متبادل وفقًا لعدد الصفوف الدراسية داخل المدرسة؛ فمثلًا في المرحلة الابتدائية، تكون أيام الأونلاين للصفين الأول والثاني مختلفة عن أيام الصفين الثالث والرابع، والتي تختلف بدورها عن الصفين الخامس والسادس، وهكذا، مما يسهم في تقليل الكثافة وخفض استهلاك الموارد.
كما تطرق الخبير التربوى إلى البنية التحتية المطلوبة ، من منصات رسمية وتدريب مكثف للمعلم والطالب
ضرورة توفير منصة تعليمية رسمية تابعة لوزارة التعليم للحصص الأونلاين، تتيح عقد الحصص المختلفة، بحيث يكون لكل طالب حساب عليها، بشكل مشابه لمنصة مادة البرمجة والذكاء الاصطناعي، على أن تتضمن تسجيلات للحصص المشروحة ومصادر تعلم متنوعة.
وأشار إلى أهمية توفير تدريب كافٍ للمعلمين والطلاب على استخدام المنصة قبل التطبيق الفعلي لنظام الحصص الأونلاين ، مع توفير بدائل مختلفة ومجانية ورسمية ومعتمدة من الوزارة للتعليم الأونلاين، مثل القنوات التعليمية التابعة للوزارة كقنوات "مدرستنا".
وحول أدوات الرقابة ، طالب بمتابعة الحضور وتحديات تدريس المواد العلمية ، وتوفير آليات واضحة لمتابعة حضور وغياب الطلاب في الحصص الأونلاين.
وكذلك مراعاة طبيعة المواد الدراسية عند تدريسها أونلاين؛ حيث يمكن تدريس بعض المقررات النظرية بشكل أفضل عبر الأونلاين مثل اللغة العربية والدراسات الاجتماعية والفلسفة، بينما توجد مقررات أخرى يصعب تدريسها بهذه الطريقة مثل اللغات الأجنبية لتلاميذ الصفوف الأولى، أو العلوم والرياضيات التي تحتاج إلى تفاعل مباشر بين المعلم والطالب، وكذلك الأنشطة العملية، مما يتطلب إعادة توزيع الجداول والحصص وفقاً لذلك.
وأكد الخبير التربوى على انه يُفضل أن يقدم الطلاب الواجبات والتكليفات بشكل يدوي مكتوب، وأن تكون التقييمات خلال أيام الحضور المباشر، تجنباً لنسخ الإجابات من أدوات الذكاء الاصطناعي.
ألغام في الطريق: الإنترنت وضعف الأجهزة وتحدي كبار السن:
وأضاف الخبير التربوى الى أهمية مراعاة بعض التحديات التي قد تعوق التعلم الأونلاين الناجح ومنها، ضعف الإنترنت في الكثير من المناطق ، وعدم توافر أجهزة رقمية لدى الكثير من الطلاب ، و ضعف قدرة بعض المعلمين وخاصة كبار السن على استخدام التكنولوجيا الحديثة في التعليم، و احتمالية ضعف الانضباط، وزيادة معدلات تغيب الطلاب عن الحصص الأونلاين.
د. عادل النجدي: "الأون لاين" أداة لإدارة الأزمات أم خيار استراتيجي مستقر؟
أما الدكتور عادل النجدي عميد كلية التربية الأسبق بجامعة أسيوط ، أكد فى تصريحات خاصة لـ "إيجبتك" بانه في ظل التغيرات المتسارعة التي يشهدها العالم والحروب المؤثرة على مصادر الطاقة في العالم تسعى الحكومة المصرية بتخفيف تلك الأزمة على مصر باتباع أساليب جديدة وعلى رأسها نظام العمل “أون لاين”، الذي فرض نفسه بقوة خلال جائحة كورونا. ولم يكن هذا التحول بعيداً عن دوائر صنع القرار، حيث لجأت الحكومة إلى تطبيق العمل من المنزل سابقاً في بعض الجهات كإجراء استثنائي يهدف إلى تخفيف الضغط على الموارد، خاصة في أوقات الأزمات مثل الجائحة أو أزمات الطاقة.

غير أن هذا التوجه لم يتحول حتى الآن إلى سياسة دائمة، إذ سرعان ما عادت الدولة إلى نمط العمل التقليدي في عام 2023، وهو ما يكشف بوضوح أن “الأون لاين” لا يزال يُستخدم كأداة لإدارة الأزمات، وليس كخيار استراتيجي مستقر. وبين هذا وذاك، يظل السؤال الأهم: هل نحن مستعدون فعلاً للانتقال إلى هذا النموذج، خاصة في قطاع حيوي كالتعليم؟
فجوة رقمية ودروس "البحوث الورقية" في زمن كورونا
على صعيد التعليم، تبدو الصورة متباينة بين التعليم الجامعي وما قبله. فرغم الجهود التي بذلتها الدولة في دعم التحول الرقمي داخل الجامعات، لا تزال الفجوة قائمة، خاصة في التعليم قبل الجامعي. فهناك عشرات الآلاف من المدارس، لا سيما في القرى والمناطق الأكثر احتياجاً، تعاني من ضعف خدمات الإنترنت، وغياب البنية التكنولوجية الكافية، فضلاً عن محدودية توافر الأجهزة الإلكترونية لدى الطلاب. وهي تحديات تجعل من تطبيق التعليم “أون لاين” بشكل كامل أمراً بالغ التعقيد.

ولعل التجربة التي مرت بها مصر خلال جائحة كورونا كانت كاشفة بقدر ما كانت ضاغطة، حيث واجهت وزارة التربية والتعليم صعوبات واضحة في إدارة منظومة التعليم عن بُعد، ما اضطرها في نهاية المطاف إلى اللجوء إلى نظام البحوث الورقية كبديل للتقييم. هذه التجربة، رغم قسوتها، قدمت درساً مهماً مفاده أن التحول الرقمي لا يُبنى بقرارات سريعة، بل يحتاج إلى بنية تحتية قوية، وتخطيط طويل الأمد، واستثمار حقيقي في العنصر البشري.
الجامعات في وضع أفضل وبناء "العدالة الرقمية" هو الحل
في المقابل، تبدو الجامعات المصرية في وضع أفضل نسبياً، إذ أسهمت أزمة كورونا في تسريع بناء بيئة رقمية داخلها، من خلال إطلاق منصات تعليمية، وإتاحة المقررات إلكترونياً، وتنظيم العملية التعليمية بقرارات رسمية لا تزال سارية حتى اليوم. ومع ذلك، لا تزال بعض التحديات قائمة، خاصة في الجامعات الأهلية حديثة النشأة والمعاهد العليا، التي تحتاج إلى مزيد من الوقت والدعم لاستكمال جاهزيتها التقنية.
وأختتم “ النجدى ” تصريحاته الخاصة ، مؤكدا على إن الحديث عن العمل والتعليم “أون لاين” في مصر لا ينبغي أن يُختزل في كونه بديلاً مؤقتاً، بل يجب أن يُنظر إليه كجزء من تحول أوسع نحو مجتمع رقمي حديث. غير أن هذا التحول لن يتحقق بالشعارات أو الحلول المؤقتة، بل يتطلب رؤية واضحة، واستثمارات جادة، وعدالة رقمية تضمن وصول الخدمة إلى كل طالب في قرية أو مدينة.



