تقرير لـ باستيت:سهام نتنياهو الأخيرة في حرب إيران
بعد ضربة افتتاحية لا يعلم أحد بالضبط قدر المساهمة الإسرائيلية فيها وفي العمليات التالية لها، طال أمد الحرب على إيران وتجاوز حرب يونيو 2025، مما أثار هواجس الداخل الإسرائيلي، خاصة وأن الرد الإيراني كان سريعًا ومستمرًا، أي لم يتم كبحه. فهل بدأ الداخل الإسرائيلي يتململ؟ هل يشهد التماسك بين الحكومة والمعارضة بشأن الحرب على إيران تصدعات قريبًا؟ وكيف تعامل نتنياهو مع هذا المأزق وحاول تجاوزه؟
طال أمد الحرب على إيران وتجاوز حرب يونيو 2025
يشهد الداخل الإسرائيلي حالة من التململ والانقسام إزاء طول أمد الحرب ضد إيران، حيث تتزايد الضغوط على الحكومة، وسط جدل بين من يرونها ضرورة استراتيجية ومن يعتبرونها مقامرة سياسية محفوفة بالمخاطر. وعبر عن هذا التناقض إبراز الحديث عن نهاية قريبة للحرب في انعكاس لتصريحات متكررة من الجانب الأمريكي تسعى غالبًا لطمأنة الداخل الإسرائيلي، وربما الأسواق المتضررة، من نزيف تجاوز 300 مليار شيكل في حرب غزة التي كان من الممكن إنهاؤها مبكرًا وفق تقديرات أغلب المحللين، وسط غليان بسبب زيادة مخصصات شركاء الائتلاف الحكومي حتى لا ينهار، وأخبار عن مراهنة إيران على انهيار إسرائيل اقتصادياً.
مظاهر بدء التململ الداخلي والانقسام المجتمعي والسياسي: هناك تيار يرى أن الحرب ضرورة لحماية الأمن القومي، بينما يعتبرها آخرون مقامرة سياسية تصب في المقام الأول في تعزيز طلب نتنياهو العفو عن جرائم فساد. وعلى هذا رصدنا إرهاصات التمرد على الخط العام المجند لمساندة الرواية الرسمية، والتي تشمل: طرح أسئلة بشأن جدوى العدوان الإسرائيلي، وهي أسئلة تشكك في فائدته للجانب الإسرائيلي ومصالحه، مثل ما عرضه أريئيل كاهانا قائلاً: "ماذا لو سقط النظام الإيراني؟" حيث أكد الكاتب الإسرائيلي المنتمي للمستوطنين من تيار الصهيونية الدينية: "إذا اختفى العدو المشترك لدول الخليج وإسرائيل، سيبرز تعارض مصالح في قضايا عديدة بين الجانبين".
ولهذا المنطق وجاهته، حيث ستتبقى بعد غياب الخطر المشترك المسؤولية الأخلاقية إزاء استمرار تدنيس الأقصى، والتوجه المنطقي للعمل على رفض تكريس الاحتلال، وتصفية مدنيين، ومخططات ترحيل جماعي لمصر والأردن، وغيرها من جرائم موثقة لاعتقالات وهدم منازل، وبالطبع احتلال لأراضي سوريا ولبنان. وهو ما عبر عنه مؤخرًا بيان لـ8 دول عربية وإسلامية – بينها دول خليجية – يدين استمرار إسرائيل في إغلاق المسجد الأقصى في وجه المصلين.
ويجدر الإشارة إلى أن المراجعات الإسرائيلية نبعت ليس فقط من طول أمد الحرب على إيران، لكن كذلك من انحسار سقف الطموح بشأن النتائج المرجوة، والذي انخفض جدًا وتوقف تقريبًا عند: "ضرب عدد من منصات الصواريخ الإيرانية (متبقى 150) في غرب إيران لتقليص عددها". حيث يعلم الجميع أن هذا لن يوقف خطر الصواريخ طالما بقيت عدد من المنصات التي فشلت إسرائيل والولايات المتحدة في القضاء عليها، ناهيك عن إمكانية إطلاق الصواريخ من شرق إيران سواء باستخدام مخزون حالي من الصواريخ أو بتطوير المدى. وتوارت في المقابل الأحاديث السابقة عن إسقاط النظام وعمليات هوليودية لإخراج 400 كيلو جرام من اليورانيوم المخصب من إيران.
وساهم في تململ الداخل الإسرائيلي عدم جهوزية الملاجئ، واختراق أحدها بصاروخ إيراني، بعد تجاهل الحديث عن معضلات الاستعدادات الإسرائيلية لحالة الطوارئ، خاصة بعد أن اعترف مراقب الدولة بأن نحو ربع في المائة من الملاجئ تتواجد في تجمعات سكنية لفلسطينيي الـ48، بينما بقية الملاجئ أي 99.7% تتواجد في مناطق السكان اليهود. وتعطل حقلين من حقول الغاز الثلاثة عن العمل، مع استمرار إغلاق مضيق هرمز، حيث تبين أنه يمكن بطائرات مسيرة رخيصة الثمن إغلاق المضيق دون رد حاسم وسريع من البحرية الأمريكية. مع أخبار على غرار أن منتجي النفط في الخليج خسروا نحو 15.1 مليار دولار، وأن الإدارة الأمريكية استهلكت مخزون "سنوات" من الذخائر في حرب إيران. حيث أن إعادة نشر تلك الأخبار والتقارير بشكل لافت وبارز في الإعلام الإسرائيلي يثير الهواجس ويفاقم الشكوك. وتأتي في نفس السياق اعترافات أمريكية بشأن سقوط طائرة تزود بالوقود ومقتل طاقمها في العراق، وهروب أخرى متضررة لمطار بن جوريون، واندلاع حريق في حاملة الطائرات فورد بعد وصولها للبحر الأحمر.
وعلى هذا كان لافتًا سماح الرقابة بتوثيق ونشر ضرب مركز استقبال إشارات الأقمار الصناعية المرتبطة بشبكات أمريكية بإصابة مباشرة من حزب الله، مما يعني أن التململ الداخلي الإسرائيلي تم التعبير عنه من مؤسسات إسرائيلية مسؤولة بدأت تعترف بحجم الضربات الإيرانية وتسمح بتوثيقها ونشرها لأول مرة.
ظهور نقد ذاتي لاذع نادر ضد الخط الإعلامي العام في موقع "العين السابعة" الإسرائيلي
وبرز خلال الأيام الماضية ظهور نقد ذاتي لاذع نادر ضد الخط الإعلامي العام في موقع "العين السابعة" الإسرائيلي، حيث نشر تقريرًا مطولاً عبر عن هذه الهواجس جاء فيه: "القمع لا يبدأ بقمع الاحتجاجات والاعتقالات. يبدأ بالاختفاء التدريجي للانتقاد من الشاشة وبخفض حدود شرعية الحوار العام. في فترة تدفع فيها الحكومة خطوات تهدف إلى إضعاف وسائل الإعلام وزيادة سيطرتها عليها، فإن الرد المطلوب ليس الانغلاق في سردية موحدة، بل صحافة حرة وحازمة تؤدي وظيفتها دون خوف. بسبب الحرب، الصحافة الحرة ومبادئها تم الإطاحة بها كأنها مجرد هامش. من يتابع تغطية الحرب في وسائل الإعلام العبرية يصادف خطابًا متجانسًا بشكل مذهل، مجندًا وعسكريًا؛ يتم تأطير الحرب على أنها حرب بلا خيار، ونادرًا ما يُسمع أي نقد أو تشكيك بشأن أهدافها وتكاليفها، وما إذا كانت هناك طرق أخرى وأكثر فاعلية لضمان مصالح وحقوق سكان إسرائيل والمنطقة. ونحن نرى أن ترديد الرسائل التي تريدها الحكومة ليس من المصلحة ولا الوطنية في شيء، وتتضاعف تأثيراتها السلبية في وقت الحرب".
ورغم أن الصور التي يتم بثها لجذب قدر من التعاطف الخارجي والتماسك الداخلي لمسؤولين وجنرالات، بينهم المتحدث باسم جيش الاحتلال ورئيس الوزراء نفسه، وهم يركضون للملاجئ، فإن لتلك اللقطات بالتأكيد مردودًا عكسيًا في بعض الأحيان، لما تولده من ضغط نفسي ومعنوي، وتشكك في قدرة الجيش والدفاع الجوي تحديدًا على حماية الداخل الإسرائيلي. وهي مشاعر تتفاقم بسبب الأعباء الاقتصادية الناتجة عن ارتفاع الطلب على الوقود أثناء الحرب وارتفاع أسعاره، والحديث عن صعوبة تأمين خط الأنابيب الذي يوفر نحو نصف احتياجات إسرائيل قادمًا من أذربيجان إلى جورجيا ثم إلى تركيا ثم ميناء حيفا. وهي مشاعر يزيد من دوائر اتساعها حقيقة أن نتنياهو منذ ظهوره الأول كبديل لحزب العمل وقادته كان يبشر باستعادة "الأمن"، مشددًا على أن هذه السلعة متوفرة معه (مبالغًا في حجم خسائر إسرائيل من عمليات استشهادية بعد أوسلو)، لكن وبعد 7 أكتوبر وفشله في توقع أو صد الهجوم، وفشله في تحرير المحتجزين والأسرى سوى بصفقة تبادل، ومع إعلانه حربًا جديدة ضد إيران بعد 8 شهور فقط من إعلانه الانتصار التاريخي عليها وإزالة خطر الصواريخ الباليستية وخطر المشروع النووي لأجيال.
هذا مع ملاحظة أن استمرار مشاهد الخسائر الإسرائيلية – حتى ولو كانت بين فلسطينيي الـ48 – فاقم الإحساس بضياع الردع الذي ارتكزت عليه إسرائيل منذ قيامها، بالإضافة إلى تغيرات أخرى منها: سعي إسرائيل دائمًا لحروب قصيرة ونقل الحروب خارج أراضيها، وهو عكس ما تم في العدوان على غزة ثم لبنان وإيران.
كيف يحاول نتنياهو والحكومة الإسرائيلية احتواء هذا التململ؟
أولاً: الحديث عن قرب مجيء المسيح اليهودي:
يعد حديث نتنياهو في تصريحات متلفزة عن قرب ظهور المسيح اليهودي المخلص استغلالاً فجًا لأفكار الصهيونية الدينية التي ترى أن على اليهود أن يمهدوا الطريق للمسيح اليهودي المخلص، أي أن نتنياهو يروج إلى أن هناك هدفًا كبيرًا قد يتحقق ويستحق التضحية والصبر. وهنا يجب علينا التوضيح أن علامات أو المخاض – حسب تعبير بعض المتدينين – الذي يسبق ظهور المسيح اليهودي المخلص وبعث الموتى في نهاية الأيام، والواردة في سفر التثنية الإصحاح 30، لم تظهر بعد، مما يجهض خطة نتنياهو، خاصة وأنها تتحدث عن طاعة وتوقف عن الغي والتمرد، وهو ما يمكن بسهولة أن غالبية الإسرائيليين من علمانيين ومتدينين لا يعنيهم.
ثانياً: التزوير والفبركة:
حيث يتم عرض وجبة دسمة من التقارير المزيفة والأفلام المفبركة بشأن انتصارات عظيمة ومبهرة على العدو الإيراني. لكن مع الوقت يكتشف الرأي العام أن وسائل الإعلام الإسرائيلية واسعة الانتشار فقدت مصداقيتها سريعًا، واضطرت بعضها للاعتراف بالتزوير، وعلى رأسها القناة 12 و14 وكذلك أي 24 التي نشرت صورًا مزيفة هدفها – على ما يبدو – التشكيك وزرع روح اليأس لدى الجانب الآخر. ومن الأمثلة التي تم الإقرار والاعتراف بفبركتها: صورة جثة المرشد الأعلى الإيراني تحت الركام، وأيضًا بث فيديو لقيادي افتراضي في تنظيم القاعدة يؤيد إسرائيل! وبث القناة أي 24 صورًا من قمرة سميولاتر (جهاز محاكاة للتدريب) على أنه قصف طيران إسرائيلي في إيران. وعبر عن هذا كاريكاتير لصحيفة هآرتس يبدو فيه ترامب قلقًا من "البطء الشديد والمشي في المكان"، لكن نتنياهو يطمئنه بأنه يعتزم الاستعانة بالمراسل الحربي (دفوري) كسلاح جديد ضد إيران!! والمقصود المراسل الحربي (نير دفوري) – المقرب من قادة جيش الاحتلال – والذي بث فيديو مفبركًا من لعبة أطفال على أنه "طيران إسرائيلي في سماء إيران" واضطر بعد فضح الأمر للاعتراف بالفبركة والاعتذار.
الخلاصة
إن تململ الداخل الإسرائيلي من طول أمد الحرب ضد إيران يعكس أزمة مركبة تتداخل فيها الأبعاد الاستراتيجية والسياسية والاجتماعية. فبينما تسعى القيادة إلى تبرير الحرب باعتبارها ضرورة وجودية، يزداد شعور قطاعات واسعة من المجتمع بأنها حرب بلا نهاية واضحة، وأن كلفتها تفوق مكاسبها المحتملة. وهو ما انعكس على استطلاع رأي أجرته صحيفة "يسرائيل هيوم" كشف أن تطمينات حكومة نتنياهو لم ينظر لها قطاع عريض من الإسرائيليين بعين الرضا. وردًا على السؤال: "كيف ستنتهي هذه الحرب ضد إيران؟" أجاب أغلبية من شملهم الاستطلاع بنسبة 51% بأن "الخطر الإيراني سيبقى والصراع مع طهران سيشهد مستقبلاً جولات أخرى"، في المقابل قال 30% فقط إن الخطر الإيراني سيزال لسنوات قادمة، مما يعني أن أكثر من 80% يرون أن النزيف الحالي وتداعياته على الداخل الإسرائيلي لن تمنع الخطر ولن توقف جولات أخرى من المعاناة سواء في فترة قريبة أو خلال السنوات القادمة. مما يعني – في تقدير كاتب هذه السطور – أن الفاتورة التي يتم دفعها في مقابل هذا السيناريو لا يجب أن تكون باهظة. وهذا الوضع قد يفتح الباب أمام تحولات سياسية داخلية، وربما يعيد صياغة أولويات إسرائيل في المرحلة المقبلة.



