ما أصل موائد الرحمن في مصر؟ اعرف قصتها
أكد الدكتور عمرو منير، أستاذ التاريخ والحضارة، أن موائد الرحمن التي يعرفها المصريون اليوم ليست تقليدًا حديثًا كما يظن البعض، بل هي امتداد لتاريخ طويل من الكرم المصري يعود إلى أكثر من ألف عام، موضحًا أن جذور هذه العادة تعود إلى العصر الفاطمي فيما عُرف آنذاك باسم دار الفطرة.
ما أصل موائد الرحمن في مصر؟
وأوضح أستاذ التاريخ والحضارة، خلال حلقة برنامج "رمضان حكاية مصرية"، المذاع على قناة الناس، اليوم الأربعاء، أن المصريين قبل ألف عام، وقبل أن تُعرف كلمة موائد الرحمن في شوارع مصر، كانوا ينتظرون في رمضان ما كان يسمى دار الفطرة، وهي مؤسسة كبيرة كانت أشبه بمطبخ للدولة، ووفق ما يرويه المؤرخان ابن الطوير وابن المأمون، كانت دار الفطرة تفتح أبوابها في أول ليلة من رمضان بأمر من الخليفة الفاطمي، لتبدأ حركة ضخمة من الطهاة والخبازين والخدم الذين يعملون طوال الليل لإعداد الطعام.
وأضاف أن المؤرخ المقريزي وصف هذه المشاهد بدقة، حيث تحدث عن آلاف الأرغفة التي كانت تُخبز يوميًا، إلى جانب إعداد أقداح السكر وأطباق اللحم والأرز والبلح التي كانت تُوزع بشكل يومي، مشيرًا إلى أن هذا الطعام لم يكن يُقدم للفقراء فقط، بل كان يصل إلى العلماء والفقهاء والجنود والأيتام أيضًا، وهو ما يعكس أن رمضان في العصر الفاطمي لم يكن مجرد صيام، بل كان نظامًا اجتماعيًا قائمًا على الكرامة والتكافل.
وأشار إلى أن الاحتفال بمنتصف رمضان كان له طابع خاص أيضًا، إذ يذكر ابن المأمون أن ليلة النصف من رمضان كانت تشهد توزيع الكسوة مع الطعام، فيحصل الناس على الطعام والملابس معًا، فيخرج المحتاج من دار الفطرة وقد حفظت كرامته.
وتابع الدكتور عمرو منير أن هذا التقليد استمر وتطور في العصر المملوكي، حيث يذكر المقريزي أن السلاطين كانوا يقيمون ما عُرف بـ سفر السلطان، وهي موائد ضخمة كانت تُفرش في الشوارع المحيطة بالقلعة، وتضم أصنافًا كثيرة من الطعام مثل الأرز والخراف المشوية والقطايف والكنافة، إضافة إلى حلوى خاصة كانت تُعرف باسم الزلابية السلطانية.
نقطة رمضان من العادات الجميلة
وأوضح أن من العادات الجميلة في ذلك العصر أيضًا ما كان يسمى نقطة رمضان، حيث كانت تخرج من بيوت السلاطين أكياس الدقيق والسمن والسكر لتصل إلى بيوت الفقراء، ليصبح رمضان موسمًا يشعر فيه الناس بأن الدولة ترى احتياجاتهم وتقف بجوارهم.
ولفت إلى أنه في العصر العثماني تغير الشكل بينما بقيت الروح، إذ تحولت موائد السلاطين إلى موائد للأحياء، فلم يعد السلطان وحده من يقيمها، بل أصبحت هناك أوقاف مخصصة لإفطار الصائمين، وتذكر سجلات المحاكم الشرعية أن رجالًا ونساءً أوقفوا أموالًا خصيصًا لإقامة موائد إفطار في رمضان، وهو ما يمثل بداية الموائد الأهلية التي عرفتها مصر لاحقًا.
وأشار إلى أنه في القرن التاسع عشر اقتربت هذه الموائد كثيرًا من الشكل الذي نعرفه اليوم، حيث يذكر علي مبارك في كتابه الخطط التوفيقية أن موائد الإفطار انتشرت في مناطق مثل الأزهر والحسين والسيدة زينب وبولاق، وكان التجار يتنافسون في إعداد الطعام وتقديم أكبر الموائد.
وأضاف أن الرحالة الإنجليزي إدوارد لين وصف هذه الظاهرة بإعجاب شديد، مشيرًا إلى أن قلب القاهرة كان يمتلئ بموائد عامة يجلس عليها الفقير والصانع والغريب جنبًا إلى جنب دون سؤال أو حساب، وهو ما يعكس روح التضامن التي ميزت المجتمع المصري.
وأكد الدكتور عمرو منير أن المصريين لم يكونوا ينظرون إلى هذه الموائد باعتبارها صدقة للفقراء فقط، بل باعتبارها صدقة لروح رمضان نفسها، موضحًا أن رحلة موائد الرحمن بدأت من دار الفطرة الفاطمية، ثم سفر السلاطين المماليك، ثم أوقاف العثمانيين، حتى وصلت إلى الموائد الشعبية التي ما زالت حاضرة في شوارع مصر حتى اليوم.
وأوضح أن الطعام في هذه الموائد لم يكن مجرد طعام، بل كان رمزًا للستر والرحمة والتكافل، مشيرًا إلى أن رمضان ظل دائمًا الوقت الذي يشعر فيه المصري بمسؤوليته تجاه جاره قبل نفسه.
وأكد أستاذ التاريخ والحضارة، على أن موائد الرحمن ليست اختراعًا جديدًا، بل هي ميراث ممتد لأكثر من ألف عام من الكرم المصري وروح رمضان التي لم تتغير عبر العصور، لتبقى هذه الظاهرة واحدة من أجمل الحكايات الاجتماعية في تاريخ مصر.

