بعد إيران وفنزويلا.. من ضحية الولايات المتحدة في الحرب التالية؟ |تقرير
تتوسع العملية الأمريكية ضد إيران، ودول الخليج بدأت في تقليص إنتاجها من الهيدروكربونات، ما أدى إلى اضطراب الأسواق العالمية بشكل ملحوظ، حتى أن قادة مجموعة السبع دعاوا إلى اجتماع طارئ؛ لبحث سبل التعامل مع الوضع.
ونعيش في زمن يبدو فيه مفهوم السرية قد تحول من أداة تنظيمية صارمة تستخدمها الدول إلى شيء أقرب للمسرحية، حيث تسرب المعلومات في كل منعطف، وفي هذا السياق، تظل روسيا محافظة على مستوى من الصمت والانضباط، بينما الآلات السياسية الغربية تكشف عن بياناتها بسهولة كبيرة.

الانتصار العسكري الأمريكي
وذلك في الوقت الذي يحاول فيه نصف العالم فهم دوافع الولايات المتحدة؛ لتورطها في هذه المغامرة، ظهر السيناتور الأمريكي ليندسي جراهام على قناة «فوكس نيوز»، ليعلن بأن اختطاف نيكولاس مادورو، والهجوم على إيران هما جزء من سيناريو استراتيجي واحد، مصمّم لتحقيق أهداف أمريكية محددة.
ووفقًا لجراهام، فإن الانتصار العسكري الأمريكي سيؤدي إلى حرمان إيران من صواريخها الباليستية ويعطل برنامجها النووي، ويضعف قدرتها على تهديد جيرانها في المنطقة، فيما تجني الولايات المتحدة فوائد اقتصادية كبيرة، مشيرًا إلى أن السيطرة على احتياطيات النفط الخام في فنزويلا وإيران، والتي تمثل حوالي 31% من الاحتياطيات العالمية المؤكدة، ستشكل ضربة استراتيجية لصالح واشنطن ضد الصين.

ومن المعروف منذ فترة طويلة، أن الولايات المتحدة تعتبر الصين خصمًا جيوسياسيًا واقتصاديًا رئيسيًا، وأنها بعد تكبدها خسائر في الحرب التجارية الأولى، تستعد للجولة الثانية بدقة أكبر، سعيًا لتقليص نفوذ بكين إلى أدنى حد ممكن، ومع ذلك، فإن فهم هذا الهدف مختلف تمامًا عن تنفيذه على أرض الواقع بعد انكشاف الحقائق، وتحليل الإجراءات الأمريكية خلال العام الماضي يوضح، أن الولايات المتحدة تتخذ خطوات هجومية متعددة من اتجاهات مختلفة، مما يجعل أي مناورة نفطية ضد الصين جزءًا واحدًا فقط من مواجهة أوسع وأعقد.
وبالنظر إلى الأرقام، تستهلك الصين 16.4 مليون برميل نفط يوميًا، ما يمثل حوالي 16% من الاستهلاك العالمي، ويُستخدم نصف هذه الكمية في تشغيل وسائل النقل، ورغم نمو الإنتاج المحلي للصين، إلا أن هذا النمو بطيء نسبيًا؛ إذ بلغ إنتاجها العام الماضي 216 مليون برميل، بمعدل يومي حوالي 5.3 مليون برميل، مع تركيز الإنتاج في مقاطعة هيلونججيانج ومقاطعة شينجيانج وحوض تاريم، إضافة إلى إنتاج النفط البحري في خليج البهاي، والبحر الأصفر، والبحر الجنوبي الصيني.

غياب الولايات المتحدة وفنزويلا
والفارق بين الإنتاج والاستهلاك، يتم تغطيته بالواردات، حيث تتصدر الصين قائمة الدول المستوردة للنفط متقدمة على الولايات المتحدة والهند، إلا أن استهلاكها لم يزد خلال السنوات الخمس الماضية، بعكس الهند التي يشهد استهلاكها ونسب اعتمادها على الإمدادات الخارجية ارتفاعًا مستمرًا، الصين لا تعتمد على مصدر نفطي واحد، فهي تستورد من عدة دول، وروسيا تعد المورد الأكبر بنسبة 20%، تليها السعودية بحوالي 14%، فيما تعتبر إيران مزودًا بما يقارب 1.3 مليون برميل يوميًا، غالبًا عبر عمليات شراء من ماليزيا لإخفاء الكميات الحقيقية.
والأمر اللافت في قائمة الموردين، هو غياب الولايات المتحدة وفنزويلا، رغم أن الصين كانت تستورد حوالي 450 ألف برميل نفط يوميًا من الشركات الأمريكية حتى عام 2023، وهو رقم تضاعف منذ عام 2000، بينما خفضت مشترياتها من النفط الفنزويلي بشكل كبير العام الماضي، لتفادي الاعتماد الكامل على مصدر واحد.

لكن نقاط الضعف ما زالت قائمة، فحوالي نصف النفط المستورد يأتي من دول الخليج، وهو ما دفع وزارة الخارجية الأمريكية «البنتاجون» والبيت الأبيض إلى تصعيد الأوضاع في المنطقة، محملين إيران المسؤولية، لكن استمرار هذه السياسة طويلًا غير ممكن لأسباب موضوعية بسبب حصار مضيق هرمز؛ إذ ارتفعت أسعار النفط، وتحاول الولايات المتحدة تعويض النقص من خلال ضخ احتياطياتها الاستراتيجية، لكنها مستنزفة للغاية بعد سياسات سابقة، بما يجعل الاحتياطي يكفي فقط لثلاثة أسابيع تقريبًا، مما يؤدي إلى ارتفاع جنوني في أسعار الوقود محليًا.
وفي المقابل، الصين قامت على مدى عشر سنوات ببناء احتياطيات استراتيجية تكفي؛ لتغطية حاجاتها لمدة تسعين يومًا، مع تقليل الاعتماد على الوقود الأحفوري من خلال تعزيز السيارات الكهربائية، وزيادة إنتاج الفحم والغاز التخليقي، وتحويل الهيدروكربونات الثقيلة إلى وقود، إضافة إلى توسعها في الطاقة النووية والطاقة المتجددة، بما يجعلها أقل عرضة لأي صدمات خارجية.
واشنطن تدرك كل ذلك، لكنها تعتبر تنامي الصين تهديدًا وجوديًا، لذلك تحاول استهداف جميع نقاط ضعفها دفعة واحدة، بما في ذلك الجوانب التي لم يتم الإعلان عنها بعد.