رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

 

خبر بسيط خلال نشرة الأخبار في الثالث من يونيو عام 1989، حيث أتى خبر وفاة المرشد الإيراني "آية الله الخميني" مؤسس الدولة الإسلامية الإيرانية، والذي خاض العديد من المعارك التي طالت المنطقة، سواء بالحشد تارة، أو بالقتال تارة، أو بالأفكار الراديكالية تارة أخرى. وترقب المجتمع العربي والدولي على السواء من يخلفه، فلم يكن تأثير الخميني محدودًا داخل إيران، بل امتد ليشمل المنطقة والعالم بأسره. فقد قادت إيران تحت زعامة الخميني سياسة خارجية معادية للغرب، خاصة الولايات المتحدة التي أُطلق عليها لقب **"الشيطان الأكبر"**. ومن أبرز الأحداث التي أثرت على العلاقات الإيرانية - الأمريكية كانت حادثة احتجاز الرهائن في السفارة الأمريكية في طهران عام 1979، حيث تم احتجاز 52 أمريكيًا لمدة 444 يومًا، ما أدى إلى توتر كبير بين البلدين.

وكانت هذه هي أول مرة نشهد فيها اختيار **مرشدٍ** جديد، وهو **"آية الله خامنئي"**، والذي طور الحياة وبنك الأهداف للدولة الشيعية في المنطقة من خلال مد أذرعها داخل العديد من الدول العربية للسيطرة على عواصمها وصناعة القرار فيها، فضلًا عن مقارعة إيران للكبار عندما قامت بتدشين برنامجها النووي، ودأب على نهج صانعي السجاد في تحقيق حلم الدولة النووية. ولكن كانت النهاية تبرز أن دولة **"الحرس الثوري"** قادمة لا محالة، لما أعطاها من مقومات ومآلات تميزها عن باقي مكونات المجتمع الإيراني، حتى الحوزات العلمية التي ما زالت تخرج العديد من الشخصيات ذات المرجعية الدينية. ولأول مرة يترقب العالم اختيار من يخلفه، ولأول مرة يأتي اختيار المرشد في وقت دقيق، وذلك ويُعتبر مجتبى خامنئي من أكثر الشخصيات غموضًا داخل هرم السلطة في إيران. وعلى خلاف والده، حافظ مجتبى إلى حد كبير على حضور محدود في الحياة العامة، إذ لم يتولَّ أي منصب حكومي، ولم يُعرف بإلقاء خطابات علنية أو إجراء مقابلات إعلامية، كما نُشر له عدد قليل فقط من الصور ومقاطع الفيديو. ويثير احتمال خلافته لوالده جدلًا، إذ تقوم أيديولوجية الجمهورية الإسلامية على أن اختيار المرشد الأعلى يتم على أساس المكانة الدينية والقيادة السياسية وليس عبر الوراثة العائلية.

وقد برز اسم مجتبى خامنئي على نطاق أوسع في المجال العام عام 2005 عندما اتهمه السياسي الإصلاحي مهدي كروبي بالتدخل في الانتخابات الرئاسية الإيرانية، في رسالة مفتوحة نُشرت في يوليو من ذلك العام، وهو اتهام لم تؤكده السلطات الإيرانية رسميًا. وفي عام 2009 وصفته صحيفة "الغارديان" البريطانية بأنه "شخصية متقشفة يُنظر إليها غالبًا على أنها أكثر تشددًا من والده". وفي سياق الضغوط الدولية على الدائرة القريبة من القيادة الإيرانية، أدرجت وزارة الخزانة الأمريكية اسمه عام 2019 ضمن قائمة العقوبات المفروضة على شخصيات قالت واشنطن إنها مرتبطة بمكتب المرشد الأعلى.

ومع إعلان مجلس خبراء القيادة رسميًا تعيين آية الله السيد مجتبى خامنئي قائدًا ثالثًا للنظام، بالاستناد إلى المادة 108 من الدستور، نكون قد دخلنا فعليًا عصر القيادة الميدانية المباشرة. هذا الاختيار الذي جاء نكاية في الرهانات الإسرائيلية والأمريكية، والذي يحول منصب الزعيم إلى رمزية جامعة، بينما تنتقل مقاليد الإدارة الفعلية وقرارات الحرب والسلم إلى قبضة الحرس الثوري بشكل كامل، ما يمنح الأجهزة الأمنية فرصة ذهبية لهندسة صورة مجتبى السياسية وتوجيه قراراته بما يتفق مع العقيدة المتشددة لحراس الثورة. فمنذ إعلان اغتيال علي خامنئي صدرت عدة فتاوى من الحوزات العلمية في قم وحتى النجف بوجوب الانتقام للقائد المغدور، وهنا تمنح شرعية الدم الأولوية لمجتبى حتى يقود المرحلة وينفذ الفتوى كوليٍّ للدم، وهذا يجعل المعارضة له في الداخل تبدو كأنها تعطيل لواجب شرعي وقومي.

ففي العقل الجمعي الإيراني تحول مجتبى من مجرد وريث إلى منتقم لاغتيال والده، وهي المشروعية التي استغلها الحرس الثوري للضغط على مجلس خبراء القيادة لاختيار مجتبى، مستفيدًا من التهديدات الأمريكية العلنية، ما حول تعيينه إلى فعل مقاومة سيادية لا مجرد انتقال روتيني للسلطة. وإرث مجتبى الحقيقي ليس في النسب لأبيه، بل في كونه تلميذًا نبيهًا لمدرسة "محمد مصباح يزدي" (الأب الروحي للحوزات الإيرانية، تحديدًا الجناح المتشدد)، فهو يتنفس الفكر الثوري المتشدد الذي يمثل لب عقيدة الحرس الثوري.

وهناك تداخل كبير بين النخبة العسكرية والنخبة السياسية، فكثير من كبار المسؤولين هم في الأصل من قدامى الحرس الثوري مثل "علي لاريجاني" ورئيس البرلمان "محمد باقر قاليباف". فقد كان الحرس الثوري المدافع الأكثر ثقة لدى خامنئي عن الجمهورية في الداخل والخارج، حيث عمل على بناء شبكة واسعة من الحلفاء والوكلاء في المنطقة، معظمهم من الجماعات الشيعية المسلحة. فالحرس ورجال الدين، وخاصة المرشد الأعلى، باعتبارهما وجهين لعملة واحدة تعيش، في حين أن المعارضة الإيرانية (داخليًا وخارجيًا) في حالة انقسام حاد، خاصة بعدما انكشف التحالف الفج لنجل الشاه مع أمريكا وإسرائيل. هذه المفارقة جعلت المواطن الإيراني، حتى المعارض منه، يفضل راديكالية النظام التي تحفظ السيادة على تبعية المعارضة التي ترهن البلاد للخارج.

فالجمهورية الإسلامية ليست نظام رجل واحد، لقد أصبحت نظامًا مؤسسيًا مع مراكز قوة متعددة وطبقات مختلفة من الأجهزة الأمنية والاستخباراتية، وقد صُمم منذ البداية ليصمد أمام الهجمات الخارجية. وقد أثبت الحرس أنه لا يزال يمتلك القدرة على إحداث فوضى في المنطقة، حيث نجح في استهداف قواعد وسفارات ومطارات ومنشآت طاقة أمريكية رغم شبكة الدفاعات الجوية الأمريكية الواسعة، كما أطلق موجات من الصواريخ والطائرات المسيرة على إسرائيل.

أما وقد جاء مجتبى مرشدًا أعلى، فإن إيران تشهد على الأرجح نهاية "دولة قم" وتدخل صراحة حقبة "دولة الحرس" التي سعى خامنئي لتكريسها خلال السنوات الست الأخيرة. فأغلب الظن أنه في حال نجح النظام الإيراني في تجاوز أزمته الوجودية الراهنة حربًا وتفاوضًا وصفقات، فإن إيران باتت على أعتاب عصر إمبراطوري جديد، في تحول أقرب شبهًا بمخاض عشرينيات القرن العشرين وبدايات الأسرة البهلوية، لكن النهايات ستكون حتمًا مختلفة.

فهل يخيب المرشد الجديد التوقعات ويحافظ على ما تبقى من سلطة بهدنة أو تفاوض جديد؟
أم إن إيران حسمت أمرها وقررت المواجهة حتى النهاية؟

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء