بعد وضعهم على قوائم الإرهاب: إخوان السودان من التمكين إلى مأزق البقاء
عاد اسم جماعة الإخوان في السودان إلى واجهة المشهد السياسي والأمني مجددًا، بعد إعلان وزارة الخارجية الأمريكية تصنيف فرع الجماعة في السودان كمنظمة إرهابية عالمية مصنفة بشكل خاص، مع نية إدراجه لاحقًا ضمن قائمة المنظمات الإرهابية الأجنبية.
هذا القرار لم يكن مجرد خطوة قانونية أو إجراء دبلوماسي عابر، بل يعكس تحوّلًا في مقاربة الولايات المتحدة لدور التنظيمات الإسلاموية في الصراعات الإقليمية، خصوصًا في ظل الحرب الدائرة في السودان منذ عام 2023، والتي كشفت عن تعقيدات المشهد السياسي والعسكري، وأعادت طرح تساؤلات قديمة حول دور جماعة الإخوان في بنية الدولة السودانية وموقعها داخل معادلات القوة.
فالتجربة السودانية تمثل واحدة من أهم التجارب التاريخية لتنظيم الإخوان في العالم العربي، إذ لم يقتصر حضور الجماعة على النشاط الدعوي أو الحركي، بل نجحت عبر تحالفاتها السياسية والعسكرية في الوصول إلى السلطة عام 1989، ثم حكمت البلاد لما يقارب ثلاثة عقود، لكن سقوط نظام عمر البشير في ثورة ديسمبر 2019 لم ينهِ حضور الجماعة بالكامل، بل أدخلها في مرحلة جديدة من إعادة التموضع السياسي والتنظيمي، وهو ما يتجلى اليوم في محاولاتها استغلال الحرب الدائرة لإعادة إنتاج نفوذها داخل الدولة السودانية.

أولًا: الجذور التاريخية
تعود بدايات نشاط جماعة الإخوان في السودان إلى أربعينيات القرن الماضي، متأثرة بالحركة التي أسسها حسن البنا في مصر عام 1928، وقد ساهمت عدة عوامل في انتقال الفكر الإخواني إلى السودان، من بينها الروابط الثقافية والاجتماعية بين البلدين، إضافة إلى وجود طلاب سودانيين درسوا في الجامعات المصرية وتأثروا بأفكار الجماعة قبل أن يعودوا لنشرها داخل المجتمع السوداني.
وبحلول منتصف القرن العشرين، بدأت الجماعة في بناء شبكات تنظيمية داخل الجامعات والمؤسسات التعليمية، وهو ما سمح لها بتكوين قاعدة اجتماعية وسياسية واسعة، غير أن التحول الحقيقي في مسار الحركة الإسلامية في السودان جاء مع صعود نجم حسن الترابي، الذي نجح في إعادة تشكيل الحركة الإسلامية وتحويلها من تنظيم دعوي تقليدي إلى مشروع سياسي يسعى للوصول إلى السلطة.
ففي ستينيات وسبعينيات القرن الماضي، عمل الترابي على توسيع قاعدة الحركة الإسلامية عبر إنشاء تحالفات مع التيارات الدينية المختلفة، بما في ذلك السلفيين وبعض الطرق الصوفية، وهو ما أدى لاحقًا إلى ظهور ما عُرف بـ"الجبهة الإسلامية القومية"، التي شكلت الذراع السياسي للحركة.
ثانيًا: انقلاب 1989 وبداية مشروع التمكين
شكل انقلاب الثلاثين من يونيو عام 1989 نقطة تحول مفصلية في تاريخ الإخوان في السودان، ففي ذلك التاريخ، نجح تحالف بين الجيش والحركة الإسلامية بقيادة حسن الترابي في الاستيلاء على السلطة عبر انقلاب عسكري قاده العميد آنذاك عمر البشير، ليصبح السودان أول دولة يصل فيها تيار إسلامي مرتبط فكريًا بالإخوان إلى الحكم عبر انقلاب عسكري.
وقد اعتمد النظام الجديد على ما عُرف بسياسة "التمكين"، وهي استراتيجية هدفت إلى إحكام سيطرة الحركة الإسلامية على مفاصل الدولة، من خلال إقصاء الكفاءات غير المنتمية للتنظيم وإحلال عناصره داخل المؤسسات الحكومية والعسكرية.
ومع مرور الوقت، تحول السودان إلى مركز لنشاط الحركات الإسلاموية العابرة للحدود، حيث استضاف النظام شخصيات وتنظيمات متشددة، كان من بينها زعيم تنظيم القاعدة أسامة بن لادن خلال تسعينيات القرن الماضي وايمن الظواهري وغيرهم، وأدى هذا المسار إلى دخول السودان في مواجهة مفتوحة مع الغرب، إذ صنفته واشنطن لاحقًا ضمن قائمة الدول الراعية للإرهاب، وهو ما ترتب عليه فرض عقوبات اقتصادية قاسية استمرت لعقود.
ثالثًا: سقوط النظام
في ديسمبر 2018 اندلعت احتجاجات شعبية واسعة ضد نظام البشير بسبب الأوضاع الاقتصادية والسياسية المتدهورة، ومع تصاعد الاحتجاجات، اضطر الجيش السوداني إلى عزل البشير في أبريل 2019، منهياً بذلك ثلاثة عقود من حكم الحركة الإسلامية، لكن سقوط النظام لم يكن نهاية التنظيم الإخواني في السودان، بل بداية مرحلة جديدة من السيولة السياسية والتنظيمية.
فالجماعة التي فقدت السلطة الرسمية احتفظت بشبكات نفوذ داخل مؤسسات الدولة، خصوصًا داخل الأجهزة الأمنية والعسكرية، إضافة إلى امتلاكها شبكة واسعة من المؤسسات الاقتصادية والإعلامية، وخلال السنوات التي أعقبت الثورة، حاولت جماعة الإخوان إعادة تنظيم صفوفها عبر عدة كيانات سياسية، كان من أبرزها ما سُمي بـ"التيار الإسلامي العريض"، الذي ضم بقايا حزب المؤتمر الوطني المحلول وعددًا من التنظيمات الإسلامية الأخرى.

رابعًا: الإخوان والحرب السودانية
اندلاع الحرب في السودان في أبريل 2023 بين الجيش وقوات الدعم السريع فتح الباب أمام عودة الإخوان إلى المشهد العسكري والسياسي، ففي ظل انهيار مؤسسات الدولة وتفاقم الاستقطاب داخل المؤسسة العسكرية، برزت مجموعات مسلحة مرتبطة بالحركة الإسلامية، من بينها لواء البراء بن مالك الذي اتهمته واشنطن بالمشاركة في الحرب.
وتشير تقارير عديدة إلى أن قيادات في الحركة الإسلامية، من بينهم علي كرتي، لعبوا دورًا في تعبئة قواعد التنظيم للمشاركة في القتال تحت لافتة "المقاومة الشعبية"، ومن منظور الجماعة، فإن الحرب الدائرة تمثل فرصة لإعادة بناء نفوذها داخل المؤسسة العسكرية، خصوصًا في ظل اعتماد بعض القيادات العسكرية على الإسلاميين كقوة تعبئة سياسية واجتماعية، غير أن هذا الدور أثار مخاوف دولية متزايدة من احتمال تحول السودان إلى ساحة صراع مفتوحة بين الميليشيات ذات الخلفيات الأيديولوجية.
خامسًا: القرار الأمريكي
قرار الإدارة الأمريكية بتصنيف تنظيم الإخوان في السودان يمثل تطورًا مهمًا في مقاربة واشنطن للملف السوداني، فمن جهة، يعكس القرار قناعة متزايدة لدى المؤسسات الأمريكية بأن بعض الشبكات المرتبطة بالحركة الإسلامية تلعب دورًا في تأجيج الصراع الداخلي، ومن جهة أخرى، يكشف القرار عن تعقيد المقاربة الأمريكية تجاه الإخوان، إذ تتجنب واشنطن حتى الآن تعميم التصنيف على جميع فروع التنظيم عالميًا.
فالإدارة الأمريكية تحاول الموازنة بين مكافحة الشبكات المرتبطة بالعنف وبين الحفاظ على هامش سياسي يسمح لها بالتعامل مع بعض التيارات الإسلامية في سياقات سياسية مختلفة، لكن في الحالة السودانية، يبدو أن واشنطن باتت أكثر قلقًا من احتمال تحول التنظيم إلى فاعل عسكري مباشر في الصراع الدائر.
سادسًا: السيناريوهات المحتملة
في ضوء التطورات الراهنة، يمكن رسم ثلاثة سيناريوهات رئيسية لمستقبل جماعة الإخوان في السودان.
1) سيناريو الإقصاء التدريجي
يقوم هذا السيناريو على استمرار الضغوط الدولية والإقليمية على الجماعة، ما يؤدي إلى تقليص نفوذها داخل مؤسسات الدولة، وفي هذه الحالة، قد تجد القيادة العسكرية السودانية نفسها مضطرة إلى الابتعاد عن الإسلاميين لتجنب العزلة الدولية.
2) سيناريو إعادة التمكين عبر الحرب
في هذا السيناريو، تنجح الجماعة في استغلال الحرب لتعزيز نفوذها داخل الجيش، بما يسمح لها بالعودة إلى السلطة بشكل غير مباشر، لكن هذا المسار يحمل مخاطر كبيرة، إذ قد يؤدي إلى تعميق الانقسامات داخل المجتمع السوداني وإطالة أمد الحرب.
3) سيناريو التحول إلى ميليشيا
السيناريو الأكثر خطورة يتمثل في تحول التنظيم تدريجيًا إلى قوة شبه عسكرية خارج إطار الدولة، خاصة إذا انتهت الحرب بتسوية سياسية تستبعده من السلطة، وفي هذه الحالة، قد يسعى التنظيم إلى استخدام العنف كوسيلة للحفاظ على نفوذه داخل المشهد السياسي.

ختامًا:
تقف جماعة الإخوان في السودان اليوم أمام لحظة تاريخية فارقة، فالتنظيم الذي نجح في الوصول إلى السلطة عبر انقلاب عسكري عام 1989، ثم حكم البلاد لثلاثة عقود، يجد نفسه اليوم محاصرًا بين إرث ثقيل من الصراعات والانقسامات، وبين واقع إقليمي ودولي لم يعد متسامحًا مع مشاريع الإسلام السياسي، ورغم محاولات الجماعة استغلال الحرب الدائرة لإعادة بناء نفوذها، فإن التحولات العميقة التي شهدها المجتمع السوداني منذ ثورة 2019 تجعل عودتها إلى السلطة أمرًا بالغ الصعوبة.
فالسودان يقف اليوم أمام مفترق طرق تاريخي، فإما أن يتمكن من تجاوز إرث الصراعات الأيديولوجية وبناء دولة مدنية حديثة، أو أن يظل أسيرًا لدورات متكررة من العنف والصراع على السلطة، وفي هذا الإطار تبدو معركة السودانيين الحقيقية ليست فقط في إنهاء الحرب الدائرة، بل في إعادة بناء الدولة على أسس جديدة تتجاوز إرث التمكين الذي تركته الحركة الإسلامية، وتفتح الطريق أمام نظام سياسي يقوم على المواطنة والتعددية وسيادة القانون.