محمد غزال: صراعات القوى الدولية تحكمها المصالح لا "إشارات الكواكب" |خاص
أكد المفكر السياسي محمد غزال، رئيس حزب مصر 2000، أن حالة القلق والتوتر التي تشهدها المنطقة والعالم في ظل الصراعات الجيوسياسية المتصاعدة، أصبحت بيئة خصبة لانتشار الروايات والسرديات التي تمزج بين الأحداث السياسية الحقيقية والنبوءات الدينية ونظريات المؤامرة، مشددًا على أن هذه الظاهرة تمثل تحديًا حقيقيًا لوعي المجتمعات واستقرارها الفكري.
التنبؤ المسبق بالأحداث الكبرى
وأوضح غزال في تصريح خاص لـ"إيجبتك" أن الفضاء الرقمي ومنصات التواصل الاجتماعي باتت تعج خلال فترات الأزمات والحروب بمحتوى يروّج لروايات تدّعي التنبؤ المسبق بالأحداث الكبرى، أو تزعم أن الصراعات الدولية ليست سوى سيناريوهات مخططة سلفًا لتحقيق نبوءات دينية أو أهداف خفية تديرها قوى كبرى في العالم، مشيرًا إلى أن مثل هذه السرديات تعتمد في كثير من الأحيان على الربط الانتقائي بين الوقائع والتأويلات.
ربط الحروب الجارية بنبوءات أو نصوص تراثية
وأشار رئيس حزب مصر 2000، إلى أن بعض هذه الروايات تحاول إضفاء طابع ديني أو غيبي على الصراعات السياسية، عبر ربط الحروب الجارية بنبوءات أو نصوص تراثية تتحدث عن أحداث آخر الزمان، أو عبر الاستشهاد بكتب دينية أو رمزية يتم تأويلها بشكل يتوافق مع الأحداث الجارية، مؤكدًا أن هذا النهج يمثل تبسيطًا مخلًا للواقع السياسي المعقد، ومحاولة لاضفاء بعد امتداد لثقافات تراثية قديمة على صراعات تحكمها في الأساس حسابات المصالح وتوازنات القوى الدولية.
وأضاف المفكر السياسي أن التاريخ الحديث مليء بالأمثلة التي ظهرت فيها تفسيرات مماثلة خلال فترات الأزمات الكبرى، حيث سعى البعض إلى ربط الحروب العالمية أو الأزمات الإقليمية بنبوءات دينية أو إشارات كونية، إلا أن مرور الزمن أثبت أن هذه التفسيرات كانت في كثير من الأحيان انعكاسًا لحالة القلق الجماعي أكثر مما كانت قراءة موضوعية للواقع.
الحروب ليست "مسرحية"
ولفت إلى أن من أخطر ما تروّج له هذه السرديات فكرة أن الصراعات الكبرى بين الدول قد تكون مجرد "مسرحية" متفق عليها بين أطرافها، في محاولة لإقناع الرأي العام بأن القوى المتنافسة في النظام الدولي تعمل في إطار مخطط واحد لإدارة الأحداث العالمية، موضحًا أن مثل هذه الطروحات تتجاهل طبيعة العلاقات الدولية القائمة على التنافس والصراع وتضارب المصالح بين الدول، فضلًا عن حجم الخسائر البشرية والاقتصادية والسياسية التي تنتج عن الحروب الحقيقية.
توظيف الظواهر الفلكية أو الطبيعية في تفسير الأحداث السياسية
كما حذر من توظيف الظواهر الفلكية أو الطبيعية في تفسير الأحداث السياسية، موضحًا أن ربط الحروب أو القرارات العسكرية بظواهر مثل خسوف القمر أو اصطفاف الكواكب هو امتداد لثقافات قديمة كانت تميل إلى تفسير الظواهر الطبيعية باعتبارها إشارات مرتبطة بمصير المجتمعات، في حين أن العلم الحديث لا يرى أي علاقة سببية بين هذه الظواهر وبين القرارات السياسية التي تتخذها الدول.
"نبوءات آخر الزمان" في الصراعات الجيوسياسية
وأكد رئيس حزب مصر 2000، علي أن انتشار مثل هذه الروايات في أوقات الأزمات يعكس حالة من القلق الجماعي والرغبة في إيجاد تفسير شامل لما يجري في العالم، مشيرًا إلى أن تعقيد المشهد الجيوسياسي يدفع بعض الناس إلى تبني سرديات مبسطة أو مثيرة تبدو وكأنها تكشف "الحقيقة المخفية"، حتي وإن تفتقر إلى الأسس المنهجية.
نظريات المؤامرة و"سرديات المسرحية" تهدد الاستقرار الفكري للمجتمعات
وشدد على أن المعركة في زمن الأزمات لا تقتصر على ساحات السياسة أو الجغرافيا العسكرية، بل تمتد أيضًا إلى ساحة الوعي العام، حيث تسعى أطراف مختلفة إلى التأثير في إدراك المجتمعات للأحداث وتوجيه الرأي العام عبر سرديات متباينة.
وأختتم بالتأكيد على أن مواجهة هذه الظاهرة تتطلب تعزيز الوعي النقدي لدى المواطنين، والاعتماد على التحليل العلمي والمصادر الموثوقة لفهم ما يجري في العالم، محذرًا من الانسياق وراء الروايات المثيرة التي قد تبدو مقنعة في ظاهرها، لكنها في كثير من الأحيان تقوم على التأويل أكثر مما تقوم على الوقائع.

