رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

من توابل الهند إلى إبراهيم عيسى.. عمار علي حسن يوضح علاقة أمريكا بالإسلام

عمار علي حسن
عمار علي حسن

أكد الدكتور عمار علي حسن، المفكر السياسي، أن تعدد الرؤى داخل الدين الإسلامي، من فرق وجماعات وأحزاب ومذاهب تتدرج بين الاعتدال والتطرف، لم ينعكس في طريقة نظر الولايات المتحدة إلى المسلمين، إذ ظلت تنظر إليهم بعين واحدة، هي عين الإمبراطورية التي صعدت بعد الحرب العالمية الثانية، ولا تزال تتصدر العالم عسكريًا واقتصاديًا وفكريًا، وتعمل على فرض تصوراتها السياسية.

 

وأشار حسن إلى أنه رغم تنوع الأفكار داخل المجتمع الأمريكي نفسه بشأن الإسلام، فإن الاستراتيجية الرسمية للدولة تتسم بقدر كبير من التماسك، يخدم المصالح الأمريكية في العالم الإسلامي، الذي يمثل امتدادًا جغرافيًا يتوسط العالم من غانا إلى فرغانة.

من الاكتشاف التجاري إلى التموضع الاستراتيجي

 

وأوضح أن العلاقة الرسمية بين واشنطن والعالم الإسلامي بدأت بمحاولات اكتشاف وبناء مصالح تجارية وأمنية، قبل أن تتطور لاحقًا إلى مساعٍ للتأثير في الأفكار والطقوس الدينية.

 

ففي القرن التاسع عشر، سعت الولايات المتحدة إلى إيجاد مرافئ في بلدان المغرب العربي لاستقبال سفنها القادمة من شرق آسيا محمّلة بالتوابل والشاي، متجنبة التورط في سلبيات الاستعمار الفرنسي بشمال أفريقيا حفاظًا على مصالحها التجارية.

 

ومع انسحاب بريطانيا من شرق السويس وبروز الخليج العربي كمصدر رئيسي للنفط، تحركت واشنطن لملء الفراغ عبر بناء علاقات وثيقة مع أنظمة الحكم لضمان تدفق الطاقة، ثم أضاف إعلان قيام إسرائيل عام 1948 بُعدًا جديدًا تمثل في إعادة ترتيب العلاقات الإقليمية بما يكفل أمن الدولة العبرية.

 

توظيف الإسلام في مواجهة الشيوعية

 

وبيّن المفكر السياسي أن الحرب الباردة شكلت مرحلة مفصلية، إذ وظفت واشنطن – كما فعلت لندن سابقًا – بعض التصورات الإسلامية المحافظة والجماعات ذات المشروع السياسي في مواجهة الشيوعية والأيديولوجيات القومية مثل الناصرية والبعثية.

 

وبلغ ذلك ذروته في أفغانستان بعد دخول الجيش السوفيتي عام 1979، حيث دعمت الولايات المتحدة حشد شباب الجماعات الإسلامية لمنازلة موسكو، في سياق تصالح ظاهري مع الإسلام، انتهى بانسحاب السوفييت مهزومين.

 

صناعة "العدو" وأطروحات الصدام

 

وأضاف أنه بعد انهيار الاتحاد السوفيتي، وجدت الولايات المتحدة نفسها في حاجة إلى "عدو" يبرر استمرار الهيمنة والإنفاق العسكري الضخم، فبرز خطاب يعتبر الإسلام خصمًا قائمًا أو محتملًا، وتجسد ذلك في أطروحات "صدام الحضارات".

واستشهد حسن بما ورد في كتاب "الفرصة السانحة" الصادر عام 1992 للرئيس الأمريكي الأسبق ريتشارد نيكسون، الذي أشار فيه إلى القوة الديموغرافية والجغرافية والاقتصادية للعالم الإسلامي، وما يمكن أن يمثله من ثقل مستقبلي إذا توحد.

 

"الإسلام المستأنس" ودمج الحركات السياسية

 

ونوه بأن واشنطن سعت إلى بلورة ما سمته "الإسلام المستأنس"، من خلال الاهتمام بالطرق الصوفية واستضافة مؤتمرات لشيوخها، أملاً في دعم مسار ديني لا يصطدم بمصالحها.

 

كما طرحت فكرة "تعميم النموذج التركي" الذي بدأ مع حزب الرفاه ثم العدالة والتنمية، بهدف دمج الحركات ذات المرجعية الإسلامية في أطر ديمقراطية، بالتوازي مع دعوات للإصلاح السياسي في المنطقة.

 

ومع تصاعد العنف عقب ظهور تنظيم القاعدة وأحداث 11 سبتمبر، دعمت مؤسسات أمريكية مشاريع بحثية ومبادرات تحت شعار "إسلاميون لكن ديمقراطيون"، في محاولة لاحتواء التنظيمات المتطرفة عبر تشجيع تيارات مصنفة معتدلة، خاصة مع إدراك تجذرها المجتمعي.

 

من مواجهة التطرف إلى استهداف الإسلام

 

ويرى حسن أن اتجاهًا داخل الولايات المتحدة تطور لاحقًا ليعتبر المشكلة في الإسلام ذاته، لا في جماعات بعينها، مستندًا إلى أطروحات مفكرين مثل برنارد لويس، ومتقاطعًا مع مشروع المسيحية الصهيونية، وانعكس ذلك في ضغوط لتغيير مناهج التعليم، وتمويل برامج بحثية ومنصات إعلامية داخل العالم الإسلامي.

 

وفي هذا السياق أشار المفكر السياسي إلى اسم الإعلامي إبراهيم عيسى، معتبرًا أنه يمثل نموذجًا لأصوات انزلقت من نقد التطرف إلى ما يلامس أحيانًا جوهر العقيدة، دون أن توجه نقدًا مماثلًا للخطاب التوراتي أو للمسيحية الصهيونية.

 

كما لفت حسن إلى ما وصفه بتقلب مواقف عيسى عبر مراحل مختلفة، من الدفاع عن جماعة الإخوان إلى تبني خطاب مغاير.

 

تداعيات المرحلة الراهنة

 

وأكد أن الولايات المتحدة، في تقديره، لن تتخلى عن تصورها الأخير الذي انتقل من نقد الجماعات المتطرفة إلى مواجهة الإسلام نفسه، خاصة في ظل تداعيات "طوفان الأقصى" والتصعيد الأمريكي–الإسرائيلي ضد إيران.

 

وأشار إلى أن هذه المقاربة أثرت سلبًا على مسارات الإصلاح الديني الذاتي التي انطلقت منذ أكثر من قرن، وأسهمت في إنتاج مفكرين سعوا بصدق إلى تجديد الخطاب الديني فقهيًا وسياسيًا، في إطار مشروع إصلاحي نابع من الداخل.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء