رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

بين العمامة والتاج.. هل انتهت الثورة الإيرانية وبدأت الدولة؟

الإمام الخميني  -
الإمام الخميني - مؤسس الجمهورية الإسلامية الإيرانية

شهدت إيران في يناير 1979 مظاهرات حاشدة غاضبة مناهضة لحكم الشاه الإيراني محمد رضا بهلوي، مما أدى في النهاية إلى فرار الشاه وعودة الخميني إلى البلاد ليؤطر الاحتجاجات التي دارت في البلاد بالثورة الإسلامية، والتي غيرت شكل منطقة الشرق الأوسط لأربع عقود مقبلة.

تولت الحوزة العلمية في مدينة قم بقيادة روح الله مصطفى موسوي "الإمام الخميني" إدارة شؤون البلاد، وحرصت على صبغ جميع السياسات بالصبغة الإسلامية، وكان أولى تلك الخطوات هو وضع الدستور الإيراني في عام 1979، والذي غلبت عليه الصبغة الإسلامية بشكل طاغٍ، والأهم من ذلك أن الدستور الإيراني حرص على استمرارية مسألة الثورة الإيرانية سواء في الداخل الإيراني أو في خارجه.

في ديباجة الدستور الإيراني، أكدت أن الثورة الإسلامية في إيران تهدف إلى نصرة جميع المستضعفين على المستكبرين، فإن الدستور يُعدّ الظروف لاستمرارية هذه الثورة داخل البلاد وخارجها، خصوصاً بالنسبة لتوسيع العلاقات الدولية مع سائر الحركات الإسلامية والشعبية، حيث يسعى إلى بناء الأمة الواحدة في العالم مصداقاً لقوله: "إن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون" [الأنبياء: 92]، ويعمل على مواصلة الجهاد لإنقاذ الشعوب المحرومة والمضطهدة في جميع أنحاء العالم.

الإمام الخميني  - مؤسس الجمهورية الإسلامية الإيرانية
الإمام الخميني  - مؤسس الجمهورية الإسلامية الإيرانية

دفع هذا التكليف الدستوري الحكومات الإيرانية منذ عام 1979 وحتى عام 2026 إلى دعم جميع الحركات والجماعات الإسلامية في الدول العربية والإسلامية، حتى وإن أدى ذلك إلى زعزعة استقرار الدول العربية والإسلامية، فعلى سبيل المثال عانت السعودية والكويت خلال فترة الثمانينيات والتسعينيات من نشاط ما يسمى تنظيم حزب الله سواء في السعودية أو الكويت.

كما أدى الدعم الإيراني لتنظيم حزب الله اللبناني إلى هدم استقرار الدولة اللبنانية، إذ أدخل الحزب لبنان في العديد من الحروب غير المدروسة، وأهمها الانخراط في الصراع السوري منذ عام 2013 وحتى 2024، كما ساهم الدعم الإيراني لجماعة أنصار الله في اليمن، المعروفة باسم "الحوثي"، في تصدع اليمن إلى جبهات متعددة منذ عام 2014 وحتى اليوم.

ساهم البعد الثوري في الدستور الإيراني في إكساب طهران المزيد من العداوات التاريخية مع الدول العربية والإسلامية، وهو ما يمكن أن نلحظه في ضعف التأييد الرسمي للموقف الإيراني الحالي في ظل العدوان الأمريكي الإسرائيلي على الأراضي الإيرانية، فالعديد من الدول العربية سبق لها أن اكتوت بنار التدخلات الإيرانية في شؤونها.

مقتل خامنئي وتغير النظام الإيراني

في 28 فبراير انطلقت عملية الغضب الملحمي باغتيال المرشد الأعلى للثورة الإيرانية آية الله علي خامنئي في مقره بوسط العاصمة طهران، ويمكن القول بأن النظام الإيراني من المحتمل بشكل كبير أن يستمر ولن يتعرض للسقوط نتيجة للضربات الأمريكية الإسرائيلية الأخيرة.

رغم التوقعات باستمرار النظام الإيراني وعدم تعرضه للسقوط المرحلي، إلا أنه يمكن اعتبار حادثة اغتيال خامنئي مرحلة مفصلية في التاريخ الإيراني الحديث، فالسياسة الإيرانية قبل اغتيال خامنئي شيء، وبعد خامنئي شيء آخر.

الإمام الخميني  - مؤسس الجمهورية الإسلامية الإيرانية
الإمام الخميني  - مؤسس الجمهورية الإسلامية الإيرانية

ابن بار للثورة الإيرانية

شهد آية الله علي خامنئي فعاليات الثورة الإيرانية وهو في مقتبل الأربعينيات من عمره، ويُعد من أبرز الشخصيات التي تمكنت من ترسيخ أسس وأطر الثورة الإيرانية، حيث تولى رئاسة البلاد خلال الفترة الممتدة منذ عام 1981 وحتى أغسطس 1989، لذا يُعد خامنئي هو أكثر من تولى ذلك المنصب الحساس خلال حقبة الثمانينيات، فقبل خامنئي شهد منصب رئاسة البلاد حالة من عدم الاستقرار، حيث تم اغتيال سابقه الرئيس الراحل محمد علي رجائي في أغسطس 1981.

ويُعد اختيار وانتخاب خامنئي لرئاسة البلاد في عام 1981 هو تحقيق القطيعة بين التيارات الإسلامية الإيرانية وشركائها في الثورة مثل التيارات الليبرالية والعلمانية واليسارية بقيادة حزب توده الإيراني، إذ عمل خامنئي على التخلص من جميع أنصار أبو الحسن الصدر، الرئيس الأول للبلاد عقب إقالة الشاه.

شهدت العلاقات بين الرئيس الإيراني الأول أبو الحسن الصدر والمرشد الأعلى للثورة الإيرانية "الخميني" صدامات فكرية وعقائدية أدت في النهاية إلى تثوير المجتمع الإيراني والحوزات العلمية ضد الصدر، مما أدى إلى إقالته في 2 أغسطس 1981، وتولي محمد علي رجائي رئاسة البلاد، والتي لم يبق فيها سوى 28 يوماً حتى تم اغتياله في تفجير مكتبه في 30 أغسطس 1981.

تأتي أهمية خامنئي في السياسة الإيرانية كونه تولى رئاسة البلاد خلال أحلك فترات الثورة الإيرانية، وهي فترة الحرب مع النظام العراقي السابق، مما أكسبه المزيد من الخبرات السياسية والأمنية، الأمر الذي أهله في النهاية إلى خلافة "روح الله مصطفى الخميني" في منصب المرشد الأعلى للثورة الإيرانية عقب وفاته في عام 1989.

لذا يمكن القول بأن خامنئي هو الابن البار للثورة الإيرانية، من متظاهر محتج في شوارع إيران في نهاية السبعينيات إلى رئيس الدولة في الثمانينيات، ثم مرشدها منذ التسعينيات وحتى اليوم.

الإمام الخميني  - مؤسس الجمهورية الإسلامية الإيرانية
الإمام الخميني  - مؤسس الجمهورية الإسلامية الإيرانية

الفجوة الجيلية القاتلة

مرت سنون طويلة وعقود عديدة على اندلاع الثورة الإيرانية وإرهاصاتها، وباتت الأجيال الجديدة في الشوارع الإيرانية غير معنية أساساً باستذكار ذكريات الثورة وإرهاصاتها، فالثورة الإيرانية بالنسبة لهم باتت ضمن ذكريات الماضي وأرشفة التاريخ، وهو الأمر الذي خلق فجوة جيلية عميقة بين جيل طعن في السن ما زال يعيش على ذكريات الثورة الإيرانية والنضال ضد حكم الشاه، وبين جيل حديث متطلع إلى الانخراط في المجتمع الدولي والاستفادة من منجزات العصر والانطلاق قدماً إلى الأمام وتحقيق تطلعاته غير عابئ بميراث الماضي كثيراً، وهو ما اتضح في المظاهرات والاحتجاجات الأخيرة حين تم رفع صور نجل الشاه خلال التظاهرات الأخيرة، مما يعني أن الأجيال الجديدة في إيران حدث لها عملية انسلاخ عن الماضي، وباتت لها رؤية مغايرة لأحداث الماضي مختلفة عن رؤية قادة الثورة، وفي المقدمة منهم المرشد الراحل خامنئي.

عملية التحول الإيراني

ينشغل العالم حالياً بمسألة من يخلف خامنئي، فالبعض ذهب إلى أن علي رضا أعرافي، الذي تم اختياره مؤخراً في مجلس القيادة المؤقت، واعتباره المرشد القادم، في حين طرحت العديد من الأسماء الأخرى المرشحة لتولي هذا المنصب الحساس في البلاد مثل الرئيس الأسبق حسن روحاني، والسيد حسن الخميني نجل المرشد الأول روح الله الخميني، وكذلك أيضاً مجتبى خامنئي نجل المرشد الراحل، وكذلك وزير الخارجية السابق محمد جواد ظريف، وكذلك محمد مهدي ميرباقري رئيس أكاديمية العلوم الإسلامية في مدينة قم.

ما يهمنا في هذا الأمر أن المرشد القادم لن يكون من أبناء الثورة الإيرانية في عام 1979، ويُقصد هنا من أبناء الحوزة العلمية المقربة من روح الله الخميني الذي صاغ ولاية الفقيه، وتولى تلاميذه مثل آية الله علي خامنئي وهاشمي رافسنجاني وآية الله علي منتظري وغيرهم نشر فكر ولاية الفقيه في المجتمع الإيراني وباقي المجتمعات الشيعية في المنطقة، فمعظم الجيل أو الرعيل الأول الذي حضر الحوزة العلمية للخميني إما توفاهم الله أو طاعنون في السن غير قادرين على قيادة البلاد في مثل تلك الظروف.

لذا من المؤكد بشكل كبير أن المرشد القادم سيكون متحرراً بشكل نسبي من أعباء ولاية الفقيه، وهنا يمكن القول بأن اغتيال خامنئي هو نهاية الثورة التوسعية التمددية الإيرانية التي أقرها الدستور الإيراني وبداية تشكيل الدولة القومية الوطنية الإيرانية ذات الصبغة الإسلامية، ويمكن التنبؤ بأربع مؤشرات دالة على توجهات السياسة الداخلية والخارجية الإيرانية خلال الفترة المقبلة، وهي كالتالي:

أولًا: تراجع قيمة نصرة المستضعفين

 من المؤكد أن قيم نصرة المستضعفين في الدستور الإيراني ستتراجع خلال الفترة المقبلة مع اختيار المرشد الجديد في البلاد، إذ من المحتمل أن يتم مراجعة الدعم الإيراني لجميع الحلفاء في منطقة الشرق الأوسط، خاصة حزب الله اللبناني، فعلى مدار عقود طويلة انشغلت إيران بتعزيز حلفائها الإقليميين ليكونوا حائط صد أمامياً لها، إلا أنه في الوقت المناسب لم يجد هؤلاء الحلفاء نفعاً.

الإمام الخميني  - مؤسس الجمهورية الإسلامية الإيرانية
الإمام الخميني  - مؤسس الجمهورية الإسلامية الإيرانية

ثانيًا: تراجع قم لصالح طهران وأصفهان

 رغم أن من شروط اختيار المرشد الأعلى للثورة الإيرانية أن يكون المرشد "مجتهداً"، رتبة دينية في الحوزة العلمية، إلا أنه من المحتمل أن تتراجع مكانة مدينة قم في رسم السياسة الإيرانية لصالح طهران وأصفهان.

ثالثًا: تزايد الموجات القومية

استكمالاً للنقطة السابقة، من المرجح أن تتنازع في إيران هويتان؛ أولهما الهوية الإسلامية الراديكالية المتمثلة في قيم الثورة الإسلامية، والهوية الأخرى هي الهوية القومية الفارسية، لذا من المؤكد أن تشهد الهوية الدينية تراجعاً قليلاً لصالح الهوية القومية، ولعل هذا التنازع بين الهويات ظهر للعلن بشكل كبير في أعقاب حرب الإثني عشر يوماً، ومن المحتمل أن يزداد خلال الفترة المقبلة.

الإمام الخميني  - مؤسس الجمهورية الإسلامية الإيرانية
الإمام الخميني  - مؤسس الجمهورية الإسلامية الإيرانية

ختامًا:

 يمكن القول إن إيران تقف اليوم على أعتاب مرحلة فارقة بين منطق الثورة ومنطق الدولة؛ فالثورة التي صاغت هوية النظام وأطّرت سياساته الداخلية والخارجية لأكثر من أربعة عقود، باتت تواجه تحديات بنيوية تتعلق بتغير الأجيال، وتراكم الأعباء الإقليمية والدولية. ومع غياب أحد أبرز أعمدتها التاريخيين، تدخل الجمهورية الإسلامية طوراً جديداً قد يعيد تعريف توازناتها بين العقيدة والمصلحة، وبين التمدد الخارجي وإعادة ترتيب الداخل. وبينما لا تبدو ملامح التحول مكتملة بعد، فإن المؤكد أن إيران ما بعد هذه اللحظة لن تكون كما قبلها، وأن سؤال: هل انتهت الثورة وبدأت الدولة؟ سيظل مفتوحاً على احتمالات متعددة ترسمها تفاعلات الداخل وضغوط الخارج في آن واحد.

محمد الدابولي*

باحث في السياسات الدولية

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء