رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

تستيقظ الدولة الإيرانية اليوم على واقع جيوسياسي وأمني مغاير تماماً، إثر حادثة اغتيال المرشد الأعلى علي خامنئي، وهي الواقعة التي لا يمكن اختزالها في إطار غياب مادي لرأس الهرم السياسي بقدر ما هي تقويض لـ "المركزية المطلقة" التي استندت إليها شرعية النظام القائم منذ عقود. 

 

إن رحيل خامنئي في هذه اللحظة التاريخية الحرجة، وبالنظر إلى رمزية ومكانة منصب الولي الفقيه، يضع الجمهورية الإسلامية أمام "أزمة مركبة" تجمع بين التحدي الدستوري الإجرائي وبين التحدي الأمني الوجودي. فالنظام الذي صممه خامنئي بعناية فائقة اعتمد على التوازن الدقيق بين ولاءات متقاطعة لثلاثة أقطاب رئيسة: المؤسسة العسكرية المتمثلة في الحرس الثوري، والمؤسسة الدينية التقليدية في الحوزات العلمية، والبيروقراطية السياسية الممثلة في مؤسسات الدولة الرسمية. وبغياب "الحكم" الذي كان يمتلك الكلمة الفصل في فض النزاعات البينية، تبرز احتمالية تحول هذا التوازن إلى صدام إرادات يبحث فيه كل قطب عن تأمين بقائه في مرحلة ما بعد الفقيه.

 


إن القراءة الفاحصة لهيكلية السلطة في طهران تشير إلى أن الفراغ الذي خلفه الاغتيال سيؤدي حتماً إلى "عسكرة علنية" لمفاصل الدولة؛ إذ يمتلك الحرس الثوري الإيراني الأدوات الميدانية والاقتصادية والأمنية التي تمكنه من فرض أمر واقع يتجاوز الترتيبات الدستورية التقليدية لمجلس الخبراء. 

 

ومن المرجح في هذا السياق أن يسعى الحرس إلى تنصيب شخصية دينية "باهتة" أو تفتقر إلى الثقل التاريخي والاجتماعي، لتكون بمثابة واجهة شرعية تمنحه الغطاء الديني اللازم لاستمرار نظرية ولاية الفقيه، بينما تنتقل الصلاحيات التنفيذية والقرار الاستراتيجي الفعلي إلى "مجلس أمني مصغر". 

 

هذا التحول البنيوي سيغير طبيعة النظام من ثيوقراطية ذات مسحة انتخابية مقيدة إلى "نظام عسكري ثيوقراطي" صريح، مما قد يزيد من حدة الانغلاق السياسي والتشدد في مواجهة أي بوادر للاضطراب الاجتماعي الذي قد ينفجر مع انتشار أنباء الاغتيال.

 


على المستوى الشعبي، يمثل هذا الحدث الجلل لحظة "سيولة ثورية" محتملة؛ فالمجتمع الإيراني الذي يعاني من أزمات اقتصادية متراكمة وفجوة جيلية واسعة مع السلطة الحاكمة، قد يرى في ارتباك أجهزة الدولة فرصة سانحة لاستعادة الحراك المطلبي والسياسي.

 

 إن التاريخ السياسي للأنظمة الشمولية يؤكد أن لحظات انتقال السلطة هي التوقيت الأكثر هشاشة، حيث تتوزع الولاءات وتضعف القبضة الأمنية نتيجة تشتت أوامر القيادة. ومع ذلك، فإن نجاح أي حراك شعبي في إحداث تغيير جذري مرهون بمدى تماسك أو انقسام المؤسسة العسكرية؛ فإذا ما حدثت انشقاقات داخل الأجهزة الأمنية حول هوية الخليفة أو شكل المرحلة القادمة، فإن البلاد قد تنجرف نحو سيناريوهات الفوضى المنظمة أو المواجهات البينية المسلحة التي تهدد وحدة النسيج الوطني.

 


أما في الدائرة الإقليمية، فإن اغتيال خامنئي يقطع "العصب الحيوي" لما يعرف بـ "محور المقاومة"، ذلك أن العلاقة بين طهران وحلفائها الإقليميين في لبنان والعراق واليمن وسوريا لم تكن مجرد تحالفات سياسية عابرة، بل كانت قائمة على "بيعة عقائدية" مباشرة لشخص الولي الفقيه بصفته القائد الأعلى. غياب هذا المركز الروحي والسياسي سيؤدي بالضرورة إلى حالة من "التفتت الاستراتيجي" لدى هذه الأطراف، حيث قد تضطر بعض الفصائل إلى تغليب مصالحها المحلية أو البحث عن تفاهمات إقليمية مستقلة بعيداً عن توجيهات طهران، مما يضع نفوذ إيران الإقليمي الذي بني عبر أربعين عاماً في مهب الريح.

 

 وفي المقابل، قد يلجأ الجناح المتصلب في طهران إلى "تصدير الأزمة" عبر تحفيز جبهات خارجية لتوحيد الجبهة الداخلية تحت شعار الدفاع عن الثورة والمذهب، مما قد يجر المنطقة برمتها إلى نزاع شامل غير محسوب العواقب.

 


وفي المحصلة، فإن إيران بعد اغتيال خامنئي تدخل ما يمكن تسميته "مخاض الجمهورية الثالثة". إن التحدي الأكبر الذي يواجه النظام الآن ليس مجرد اختيار اسم جديد للمرشد، بل هو القدرة على إقناع الداخل والخارج بأن صيغة الحكم الحالية لا تزال صالحة للاستمرار في ظل غياب مهندسها الأول.

 

 إن الطريقة التي سيتم بها تدبير "وراثة الفقيه" ستحدد ليس فقط مستقبل إيران السياسي، بل ستعيد رسم موازين القوى في الشرق الأوسط بأكمله، فإما أن تتجه البلاد نحو "دولة أمنية" أكثر براغماتية وانغلاقاً، أو أن لحظة الاغتيال ستكون هي البداية لتفكك العقد الاجتماعي السياسي الذي حكم إيران منذ عام 1979، فاتحة الباب أمام تحولات كبرى قد تغير وجه الخارطة السياسية لسنوات طويلة قادمة.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء