من بغداد إلى طهران.. السيناريو الأمريكي لتقويض الأنظمة والشرق الأوسط
في صباح 28 فبراير 2026 شنت الولايات المتحدة، بالتعاون مع إسرائيل، سلسلة غارات جوية استهدفت مواقع إيرانية مختلفة في طهران وبندر عباس وقم والعديد من المدن الإيرانية الأخرى، والتي اسفرت عن اغتيال المرشد الاعلى للثورة الايرانية وعدد من القيادات العسكرية والامنية والسياسية .
اعتمدت إيران خلال حرب الاثني عشر يومًا الماضية سياسة تدرجية تصاعدية في رشقاتها الصاروخية، فعلى سبيل المثال اعتمدت في البداية على ترساناتها البدائية من الصواريخ الباليستية التي تصدت لها أنظمة الدفاع الجوي الإسرائيلي متعددة الطبقات مثل نظام الشعاع الحديدي، إلا أنه مع تقدم أيام الحرب الأخيرة بدأت في استخدام طفيف للصواريخ الباليستية المتقدمة التي كان لها أثر فعال في الحرب الماضية، فعلى سبيل المثال بلغت نسبة نجاح منظومات الدفاع الجوي الإسرائيلي في صد تلك الصواريخ ما يقارب 50%، وهو ما أدى في النهاية إلى تضرر إسرائيل بأضرار بالغة، خاصة يومي 22 و23 يونيو، حيث تدمرت مصفاة حيفا للنفط ومعهد وايزمان للعلوم، مما استدعى تدخلًا أمريكيًا عاجلًا وقتها بوقف الحرب في 24 يونيو الماضي.
دروس الماضي الأليم
لا يمكن التكهن بنتائج المعركة الحالية في ظل اتجاه النظام الإيراني لتوسيع دائرة الأهداف المستهدفة، حيث انطلقت الصواريخ الإيرانية إلى استهداف العديد من الأهداف الحيوية ليس فقط في إسرائيل، بل جميع دول مجلس التعاون الخليجي باستثناء سلطنة عمان التي لا تزال في مأمن من الضربات الإيرانية.
لعل الحرب الجارية وملابسات انطلاقها والظروف المحيطة بها تذكرنا بعض الشيء بالحرب العراقية الأمريكية التي انطلقت في نهاية ديسمبر 1998، والتي أُطلق عليها اسم عملية ثعلب الصحراء، والتي استهدفت مواقع أسلحة الدمار الشامل العراقي، ولعل الحربين تشتركان في العديد من النقاط أبرزها:

أولًا : أنظمة سياسية مغضوب عليها
كلتا العمليتين، ثعلب الصحراء والغضب الملحمي، تم انطلاقهما ضد نظامين سياسيين غير مرحب بهما دوليًا، فالنظام العراقي وقتها كان بقيادة حزب البعث الاشتراكي بقيادة صدام حسين، والنظام الإيراني الحالي "نظام الولي الفقيه" بقيادة آية الله علي خامنئي، ( قبل اغتياله ) وكلاهما غير مرحب بهما إقليميًا ودوليًا، إذ تم توصيفهما بالأنظمة الإرهابية، كما لم يكن يتمتع النظامان بأي قبول في منطقة الشرق الأوسط، فنظام صدام حسين كان في عزلة إقليمية منذ حرب الكويت، أما النظام الإيراني الحالي فهو أيضًا في عزلة إقليمية ودولية بسبب دعمه للعديد من التنظيمات المصنفة إرهابيًا في العديد من الدول العربية مثل حزب الله اللبناني وجماعة أنصار الله الحوثي في اليمن، فضلًا عن التنظيمات المشابهة في الكويت والسعودية والبحرين.
ثانيًا: زعزعة استقرار النظام السياسي
في يناير 1999 أفردت صحيفة الواشنطن بوست الأمريكية سلسلة مقالات وتحقيقات صحفية حول الدوافع الحقيقية لعملية ثعلب الصحراء، إذ أفادت أن الغرض الأساس من الحرب هو تقويض أسس وأركان النظام العراقي وقتها، خاصة بعد وجود مؤشرات على استعادة نظام البعث بعضًا من قوته السياسية في الداخل العراقي وقتها، وتقريبًا هو نفس الهدف الذي سعت إليه واشنطن حاليًا من الحرب الجارية، وهو تقويض نظام الولي الفقيه في إيران.
وفي هذا الإطار لا يمكن إنكار أن واشنطن قد حددت أهداف تلك الحرب منذ شهر تقريبًا، وهي إزالة النظام الحاكم في إيران خلال فترة الاحتجاجات الأخيرة في طهران، والتي حظيت بدعم وتأييد واضح وعلني من أجهزة الاستخبارات الأمريكية (CIA) والموساد الإسرائيلي، حيث كانت تعول واشنطن على مواصلة الاحتجاجات الأخيرة وقدرتها على إزالة النظام، إلا أن قدرة نظام الولي الفقيه على احتواء المظاهرات سياسيًا وأمنيًا فوتت الفرصة على أجهزة الاستخبارات الأمريكية والإسرائيلية، مما دفعها إلى شن الهجوم الأخير.

ثالثا: اندلاعها في شهر رمضان
من المفارقات أيضًا ارتباط العمليتين العسكريتين بشهر رمضان المبارك، فعملية ثعلب الصحراء جاءت قبيل شهر رمضان الكريم بأيام قليلة، حيث استمرت العملية من 16 ديسمبر 1998 حتى 19 ديسمبر 1998، وبداية رمضان وقتها كانت في يومي 19 و20 ديسمبر حسب التوقيت المحلي للدول الإسلامية، وعملية الغضب الملحمي أو زئير الأسد كما تسميها إسرائيل جاءت في العاشر من رمضان.
ولعل توقيت وتزامن العمليتين مع الشهر المفضل للمسلمين يحمل تأثيرات سلبية في نفوس المسلمين، وهو ما قد يؤجج مشاعر الغضب لدى المسلمين ويزيد من حدة العداء للغرب والولايات المتحدة وإسرائيل، وقد يحول الحرب إلى حرب دينية بامتياز، حيث من المفترض أن تستلهم الآلة الدعائية الإيرانية فرصة تزامن الحرب مع الشهر الفضيل في إثارة النزعة الدينية في نفوس مسلمي إيران واستدعاء الذاكرة الإسلامية في مواجهة أعداء الدين خلال شهر رمضان مثل غزوة بدر الكبرى التي اندلعت في 17 رمضان.
رابعًا: تغطية للأزمات السياسية في الداخل الأمريكي
من المثير أيضًا أن كلتا العمليتين انطلقتا للتغطية على أزمات وفضائح جنسية للإدارة الأمريكية، ففي وقت عملية ثعلب الصحراء كان الرئيس الأمريكي وقتها بيل كلينتون يتعرض لأزمة سياسية حانقة تتمثل في محاولات عزله على خلفية أزمته الجنسية مع المتدربة في البيت الأبيض مونيكا لوينسكي، حيث صدر قرار من مجلس النواب الأمريكي بعزله في 19 ديسمبر 1998، وحاليًا يواجه الرئيس الحالي دونالد ترامب العديد من الفضائح الجنسية على خلفية أزمة جيفري إبستين، ويخشى ترامب حاليًا من مجلس النواب القادم أن يتخذ قضية إبستين سبيلًا من أجل عزله من السلطة، هذا فضلًا عن العديد من الأزمات الأخرى التي قد يواجهها ترامب في حال استحواذ الديمقراطيين على مجلس النواب القادم.
خامسا: استهدافها لأسلحة الدمار الشامل
كلتا العمليتين كان الهدف منهما استهداف قدرات سلاح الدمار الشامل في كلتا الدولتين، ففي العراق انطلقت العمليات بهدف تدمير القدرات العسكرية العراقية المتبقية، خاصة صواريخ صمود 2 التي تعد من أبرز الصواريخ الباليستية العراقية، والحرب الحالية تهدف بشكل كبير إلى نظام الصواريخ الباليستية الإيرانية القادرة على إصابة أهدافها في إسرائيل.
سادسا: فشل المفاوضات وتعديل خطة الضرب
قبيل عملية ثعلب الصحراء كانت هناك مفاوضات جارية مع العراق، خاصة مع لجنة أونسكوم، وهي لجنة أممية كانت مختصة بتدمير أسلحة الدمار الشامل العراقي، وخلال المفاوضات مع الجانب العراقي حاولت بغداد وقتها التخلص من ضغوط اللجنة، وبالفعل اتخذت واشنطن وقتها قرارًا بالتدخل العسكري بشن عملية عسكرية أُطلق عليها عملية دزرت ثاندر، إلا أن واشنطن تراجعت عن العملية في المراحل الأخيرة قبل أن تعود بعملية أخرى وهي ثعلب الصحراء.
نفس الأمر تكرر مع إيران حاليًا، فالطرفان الأمريكي والإيراني دخلا في مفاوضات غير مباشرة خلال الشهر الجاري، خاصة بعد إلغاء الضربة الأمريكية الأولى في منتصف يناير الماضي، قبل أن تعود واشنطن لتنفذ عملية الغضب الملحمي الدائرة حاليًا.
ختاما:
تبدو المواجهة الراهنة أبعد من مجرد تبادل ضربات جوية أو رسائل ردع متبادلة، بل هي اختبار لإرادات متصارعة وحسابات داخلية وإقليمية معقدة. فكما لم تُسقط عملية «ثعلب الصحراء» النظام العراقي آنذاك، يبقى السؤال مفتوحًا حول قدرة «الغضب الملحمي» على تحقيق أهدافه المعلنة في إيران.
وبين مخاطر الحرب الشاملة ورهانات إسقاط الأنظمة وحسابات حفظ ماء الوجه، يظل الإقليم بأكمله أمام مفترق طرق حساس، قد يعيد رسم خرائط النفوذ أو يكرّس معادلات الردع القائمة، دون حسم نهائي للصراع.
- # دونالد ترامب
- # الولايات المتحدة
- # إسرائيل
- # العاشر من رمضان
- # واشنطن
- # إيران
- # الدفاع الجوي
- # طهران
- # العراق
- # الموساد
- # سلطنة عمان
- # مجلس التعاون
- # المفاوضات
- # CIA
- # المرشد الأعلى
- # ثعلب الصحراء
- # المرشد الأعلى للثورة الإيرانية
- # الصواريخ الباليستية
- # منظومات الدفاع الجوي
- # أنظمة الدفاع الجوي
- # اغتيال المرشد الأعلى