أنس الوجود: ذكرياتي مع زوجي في رمضان مليئة بالسهرات الثقافية|حوار
• يومي في رمضان يبدأ بالصلاة وقراءة القرآن وقراءة الكتب.
• أتواصل يوميًا مع جارتي وابنتي للاطمئنان عليهما.
مع أولى خيوط الفجر في رمضان، يبدأ اليوم بإيقاع خاص، بين الصلاة وقراءة القرآن وبعض اللحظات الهادئة التي تمنح النفس راحة وسكينة، الحياة تتغير قليلاً في هذا الشهر، حتى أبسط التفاصيل تصبح لها نكهة وروح.
في حوار "إيجبتك" الخاص مع الكاتبة الصحفية أنس الوجود، نغوص في تجربة شخصية مليئة بالطقوس اليومية، الذكريات، والمشاعر الرمضانية، من طقوس أجواء القاهرة وذكريات الغربة، مرورًا بالقراءة، الطعام، والدراما الرمضانية.
كما تشاركنا ذكرياتها مع زوجها الراحل، الكاتب الكبير صبري موسى، وسهراتهما الثقافية الرمضانية التي كانت تفيض دفئًا وحوارًا أدبيًا راقيًا، لتكتمل صورة رمضان كما عاشته عن قرب.
في البداية.. كيف يبدأ يومك في شهر رمضان؟ وهل له طقوس خاصة؟
شهر رمضان له طقوسه الخاصة، لكنه في الوقت نفسه قريب جدًا من يومي العادي مع بعض الاختلافات، بعد صلاة الفجر أحرص على الصلاة وقراءة القرآن لفترة، ثم أقرأ بعض الكتب، وبعدها أتابع المسلسلات لأن عملي الصحفي يتطلب ذلك.
هل هناك عادات ثابتة تحرصين عليها يوميًا في رمضان؟
نعم، هناك أمران أساسيان لا أتنازل عنهما أبدًا.. أولًا، الاتصال بجارتي دكتورة عايدة، وهي إنسانة جميلة ووقفت بجانبي في كثير من المواقف، لذلك أحرص يوميًا على الاطمئنان عليها، حتى وهي في الكنيسة أتصل بها لأطمئن عليها، لكنها أحيانًا لا ترد على الهاتف، فأشعر بقلق شديد عليها، ثم تعاود الاتصال بي لاحقًا لتطمئنني بأنها بخير، أما الأمر الثاني فهو حرصي الدائم على الاطمئنان على ابنتي.
ما الآيات أو السور التي ترتاحين لقراءتها في رمضان؟
أحب سورة آل عمران جدًا، وكذلك سورة يس.. أشعر أن آية آل عمران مليئة بالعلامات والدلالات التي تنفعنا في حياتنا اليومية، وسورة الإخلاص، رغم قصرها، تحمل معاني عميقة جدًا، القرآن كله يمنحني راحة نفسية كبيرة، وعندما أكون متضايقة ألجأ لقراءته فأشعر أن نفسيتي تهدأ.
هل ترين أن رمضان في مصر يختلف عن باقي الدول؟
بالتأكيد، رمضان في مصر مختلف تمامًا، عشته من قبل في لندن وباريس، ورغم تجمعات المصريين وإقامة موائد الإفطار هناك، إلا أن الإحساس ناقص. نفتقد صوت الأذان، وصلاة التراويح، وحركة الشوارع، والسهر حتى السحور، وزيارة الأماكن الروحانية مثل السيدة زينب والسيدة نفيسة والحسين، هذه طقوس مصرية خالصة لا يمكن نراها خارج الوطن.
كيف اختلف إحساسك برمضان خارج مصر؟
في آخر زيارة لي إلى إيطاليا في شهر رمضان، كان موعد إقلاع الطائرة في الخامسة مساءً، بينما كان أذان المغرب يؤذن في السادسة إلا عشر دقائق، ونحن على متن الطائرة، طلبنا من المضيفة تأجيل تقديم الوجبات قليلًا حتى نحسم أمرنا: هل نفطر وفق توقيت القاهرة أم وفق توقيت إيطاليا؟ وبعد مداولات قررنا أن نفطر على توقيت القاهرة، فكان إفطارنا بين السحاب.
وبعد ساعات قليلة وصلنا إلى مطار روما، حيث جلسنا ست ساعات في انتظار موعد إقلاع الطائرة المتجهة إلى كالابريا جنوب إيطاليا، وهو إقليم معروف دوليًا بوجود ميناء كالابريا، وعندما ركبنا الطائرة تناولنا السحور على متنها، ثم وصلنا إلى كالابريا.
كنا نفكر كيف سيكون إفطارنا في الفندق، والحمد لله كان معنا بعض الشخصيات المهمة وفريق البرنامج: الإعلامية عبير أبو طالب، والمخرج وليد التاجي، ومدير التصوير رامي ريمون.
وعندما علم عيسى إسكندر، رئيس اتحاد العمال المصريين في إيطاليا، أننا صائمون، طلب من الفندق تجهيز وجبات خفيفة للضيوف الصائمين إلى حين موعد العشاء الجماعي.
والغريب أن أذان المغرب لديهم كان في الساعة التاسعة مساءً، وبعده بساعتين أو ثلاث يؤذن الفجر، واستمرينا على هذا النحو أربعة أيام، حتى إن مدير التصوير كان يصوم معنا.
لكن أهم ما كان ينقصنا هو رائحة رمضان وموائده الشهية، ففي بيتنا، مجرد رؤية الطعام على المائدة تفتح نفسنا، أما في الغربة فأنتِ مجبرة على تناول طعام البلد التي تقيمين فيها.
كيف تقضين وقتك في المنزل خلال رمضان؟
أنا أعيش بمفردي لأن ابنتي متزوجة ولها حياتها الخاصة، لذلك الأمور بسيطة جدًا، أحدد ما سأفعله للإفطار حسب اليوم، سواء كنت في المنزل أو مدعوة خارجه، أقضي وقتًا كبيرًا في القراءة، لأنها صديقتي الأقرب وتخرجني من حالات التفكير والضغط النفسي.
من هو “الجندي المجهول” في يومك الرمضاني؟
الجندي المجهول بالنسبة لي هو القراءة أولًا، فهي ملجئي الأساسي، كما أنني أحيانًا أهرب من الضغط بمشاهدة فيلم أبيض وأسود، وغالبًا يكون فيلمًا كوميديًا، حتى في رمضان، لأن هذه الأفلام تساعدني على الخروج من أي حالة توتر أو ضغط.
وماذا عن الدراما الرمضانية هذا العام؟
هناك أعمال مهمة جدًا، مسلسل رأس الأفعى أراه من الأعمال الضرورية، لأنه يكشف مرحلة دقيقة في تاريخ مصر الحديث، خاصة ما يتعلق بجماعة الإخوان، خاصة محمود عزت، باعتباره العقل المدبر الذي أدار مفاصل الجماعة من الظل.
فالرجل الذي لقب بأفعى الجماعة، هو من كان يخطط للاغتيالات، ودور الأجهزة الأمنية في مواجهة الإرهاب، وأتمنى أن يترجم المسلسل ويُعرض في السفارات المصرية بالخارج لأنه يقدم صورة مهمة عن ما حدث في تلك الفترة، ونجاح مصر في التصدي للجماعات الإرهابية والحفاظ على أمن مصر.
أيضًا مسلسل عين سحرية الذي يقدم مباراة تمثيلية قوية بين عصام عمر وباسم سمرة، وهو عمل نفسي وفلسفي يتناول الحالة النفسية للإنسان بعمق كبير.
كذلك مسلسل كان ياما كان لماجد الكدواني عمل إنساني راقٍ جدًا، وأداء الفنان ماجد الكدواني فيه تلقائي لدرجة أنك تشعري أنه لا يمثل بل يعيش الشخصية.
ما أكثر أكلة تحبينها في رمضان؟ وما الذي تحبين طهيه بنفسك؟
أنا لست طباخة ماهرة، لكن أحب جدًا صينية البطاطس، وأعشق السمك جدًا بكل أنواعه، فأنا بورسعيدية، أحب أن أعدّه بنفسي وأشعر بسعادة وأنا أطبخه، ليس لي ميل للحوم، لكن السمك بالنسبة لي متعة خاصة.
ما هي الصورة “الأبيض والأسود” التي تتذكرينها عن رمضان زمان؟
رمضان زمان كان له روح مختلفة، كنا نجتمع كأسرة حول تربيزة السفرة، كان هناك دفء وألفة وحوار مفتوح بين أفراد العائلة، لم تكن هناك هواتف تفصل الناس عن بعضها كما يحدث الآن.
الموبايل والسوشيال ميديا أحدثا عزلة اجتماعية واضحة، زمان كان هناك حوار وتبادل آراء وقيم ومبادئ، اليوم حتى على مائدة الإفطار قد تجد كل شخص ممسكًا بهاتفه وعايش مع نفسه.
وماذا عن أجواء بورسعيد في رمضان؟
بورسعيد مدينة لها طابع خاص جدًا، موقعها على قناة السويس يجعلها مدينة منفتحة على ثقافات العالم، كنا نجلس بعد الإفطار نشاهد السفن العابرة، فنشعر أننا نرى العالم كله أمامنا، وكانت هناك احتفالات بالسمسمية بشكل دائم، أهل بورسعيد طيبون، والمدينة ساحرة بطبيعتها وموقعها، ولها روح مختلفة لا تشبه أي محافظة أخرى.
رمضان مع الكاتب صبري موسى.. كيف كانت أجواؤه؟
صبري موسى زوجي الراحل كان إنسانًا راقيًا وحساسًا جدًا، كان له طقوس ثابتة؛ يسهر ليلًا ويقرأ أو يشارك في تحكيم أعمال إبداعية، ثم ينام صباحًا ويستيقظ قبل العصر، كان يحضر اجتماعات اتحاد الكتاب ولجنة القصة بالمجلس الأعلى للثقافة.
أما على مستوى الطعام، فكان يعشق السبانخ جدًا، حتى إنه كتب روايته الشهيرة باسم السيد من حقل السبانخ الرواية التى صنفت بأنها رواية خيال علمي.. ولكنها أصبحت واقع فهي أول رواية تتنبأ بالتليفون المحمول في الساعة، والاستنساخ والذكاء الاصطناعي، وكان يميل أيضًا للسمك بحكم نشأته الساحلية، كان يحب الأكلات البسيطة المطهية بحب.
كيف كانت السهرات الثقافية الرمضانية التي حضرها صبري موسى؟
في رمضان كانت هناك سهرات أسبوعية ثابتة بين مجموعة من المثقفين، وكانوا يتنقلون بين بيوت بعضهم في أجواء ثقافية دافئة ومليئة بالنقاشات الأدبية الراقية.
فعلى سبيل المثال، بيت الكاتبة فتحية العسال كان مفتوح دائمًا في رمضان، وكانت تستضيف قامات كبيرة، منهم الكاتب صبري موسي ودكتور سمير سرحان، والكاتب كامل زهيري، والكاتبة زينب صادق، وإقبال بركة، ودكتور سامى رافع، ونسبة كبيرة من المبدعين، لم تكن مجرد دعوات إفطار، بل كانت تمتد حتى السحور، تبدأ أمسية ثقافية بمناقشة رواية، أو قضايا ثقافية واجتماعية وسياسية وكان للأمسية الثقافية نكهة خاصة جدًا.