رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

 في السياق الراهن المتعلق بإيران بعد مقتل علي خامنئي، المرشد الأعلى للثورة الإسلامية، تشكل هذه اللحظة نقطة تحول استراتيجية لها تداعيات سياسية وأمنية واجتماعية عميقة، ليس فقط داخل إيران، بل على مستوى المنطقة والعالم، فقد كان خامنئي القائد الأعلى للنظام لعقود طويلة، ورحيله يفتح مرحلة انتقالية مليئة بالتحديات وعدم اليقين. 

 

الداخل الإيراني يمر بفترة صعبة، حيث يبقى الحرس الثوري قوة كبيرة تتحكم في المشهد، لكن في الوقت نفسه من المتوقع ظهور خلافات بين القادة حول من سيتولى السلطة الجديدة وكيفية إدارة البلاد خلال هذه الفترة الحرجة.

 

هناك أيضًا مخاوف من احتجاجات شعبية أو ضغوط من الداخل قد تؤثر على استقرار الحكومة الجديدة، خصوصًا إذا شعر الناس أن التغيير محدود أو شكلي.

 

 مقتل خامنئي يخلق فراغًا غير مسبوق في أعلى هرم السلطة، إذ كان يشغل دورين محوريين كمرشد عام وأكبر مسؤول سياسي وعسكري في الداخل والخارج، وفق الدستور الإيراني يُنتظر أن يتشكل مجلس مؤقت لإدارة شؤون الدولة إلى حين انتخاب قائد جديد، لكن قدرتهم على الحفاظ على الاستقرار ليست مضمونة.


على الصعيد الإقليمي، يبدو أن الصراع طويل ومعقد، إذ لا يستطيع أي طرف تحقيق انتصار سريع وواضح. بعد إعلان مقتله، أطلقت إيران صواريخ وطائرات من دون طيار على أهداف في إسرائيل ودول الخليج وقواعد أمريكية في المنطقة، ما يشير إلى توسيع نطاق المواجهة إلى جبهات متعددة ويعكس رغبة النظام في الحفاظ على صورته القوية أمام الداخل والخارج، لكنه يزيد من تعقيد الوضع الإقليمي.

 

 أغلب الدول المجاورة وضعت قواتها على أعلى درجات التأهب، وتوقفت بعض الرحلات الجوية، وأثّرت الأسواق النفطية على خلفية المخاوف من تعطيل الملاحة في مضيق هرمز وهجوم محتمل على منشآت نفطية. من المرجح أن تتحول المواجهة إلى سلسلة من الضربات المحدودة والضغوط الاقتصادية والسياسية، ما يجعل التوتر مستمرًا دون حسم مباشر.

 

 هذا الوضع قد يدفع الجميع لاحقًا إلى التفكير في حلول تفاوضية تحفظ ماء الوجه وتمنع تصعيدًا أوسع، مع إدراك أن الحسم العسكري الكامل غير ممكن، وأن التسوية التدريجية هي الخيار الأكثر عقلانية لتجنب الخسائر الكبيرة. 

 

ردود الفعل الدولية متفاوتة؛ فبعض القوى تندد بالتصعيد وتدعو للتهدئة، بينما أخرى ترى في الوضع فرصة لإعادة التفاوض مع إيران أو إعادة ترتيب التحالفات في الشرق الأوسط.


من المتوقع أن تلعب كل من روسيا والصين دورًا مهمًا في المرحلة القادمة، إذ قد تدعم روسيا استقرار إيران سياسيًا وأمنيًا، ليس فقط لحماية شريك استراتيجي، بل لمنع نفوذ غربي أكبر في المنطقة، وقد تستخدم نفوذها للتوسط بين الأطراف وتقليل حدة التصعيد.

 

 الصين، بدورها، تهتم باستقرار المنطقة لضمان مرور الطاقة والتجارة وحماية مصالحها الاقتصادية في الخليج وممرات التجارة الدولية، وقد تدفع باتجاه حل تفاوضي تدريجي بعيدًا عن الصدام المباشر. 

 

أحد الحلول الممكنة هو العودة إلى طاولة المفاوضات على قاعدة ما اقترحته إيران في جنيف سابقًا، وهي السماح لها بالتخصيب النووي بشكل محدود لأغراض طبية وسلمية، مع رقابة دولية صارمة، ما يمنح إيران حقوقها النووية السلمية ويطمئن المجتمع الدولي ويقلل من احتمالات تصعيد جديد، ليشكل مخرجًا عمليًا من دائرة الاستنزاف الطويلة التي تهدد استقرار المنطقة.


دور الدول العربية، وعلى رأسها مصر، سيكون حاسمًا أيضًا، إذ تستطيع تقديم رؤية متوازنة وتنسيق جهود عربية مع السعودية وتركيا لخفض التوتر، وإيجاد إطار أمني إقليمي يحفظ مصالح جميع الأطراف ويمنع تصعيدًا أكبر.

 

 مثل هذه المبادرات قد تساعد على صياغة اتفاقيات أمنية وسياسية تدريجية، تحمي المنطقة من الانزلاق إلى صراع أوسع، وتعطي الجميع فرصة للحفاظ على ماء الوجه مع ضمان استقرار نسبي. مع استمرار الصراعات الداخلية بين الأجنحة المحافظة والإصلاحية، واحتمال تدخل الحرس الثوري في تحديد القيادة القادمة، ستظل إيران تواجه تحديات كبيرة في الحفاظ على وحدة الدولة واستقرارها الداخلي، بينما تتعقد معادلات القوة الإقليمية والدولية حولها.


من الناحية الداخلية، تتعدد السيناريوهات المتوقعة لما بعد خامنئي. قد يتم الانتقال التقليدي البطيء عبر اجتماع مجلس الخبراء لتعيين مرشد جديد وفق الدستور، ما قد يستغرق أسابيع أو أشهر للحفاظ على مؤسسات الدولة وتقليل الانهيار الداخلي. 

 

وقد تستغل المؤسسة العسكرية وقوة الحرس الثوري الفراغ للسيطرة على القرار السياسي وتعيين زعيم من صفوفهم أو فرض قيادة جماعية، ما سيحول إيران إلى نظام أكثر عسكرية وتشددًا في سياساتها الخارجية والداخلية. 

 

هناك احتمال أن تنشأ صراعات داخلية بين الأجنحة المحافظة والإصلاحية، وربما بين الأجنحة العسكرية والسلطوية الدينية، ما يزيد من عدم الاستقرار. وقد تستغل القوى المعارضة، سواء مدنية أو شبابية، الفراغ لرفع مطالب سياسية أوسع، مما قد يؤدي إلى موجة جديدة من الاحتجاجات أو تغيّر جذري في النظام، بينما يبقى احتمال انهيار النظام كليًا أو تحوّله إلى شكل سياسي جديد أقل ترجيحًا لكنه قائم، اعتمادًا على قدرة القوى الداخلية والخارجية على التأثير في المسار القادم.


باختصار، المرحلة القادمة في إيران ستكون طويلة ومعقدة، مع استمرار صعوبة تحقيق انتصار واضح لأي طرف. الصراع قد يستمر على شكل استنزاف طويل، بينما الحل الواقعي يكمن في إدارة التوتر بذكاء، والتوجه نحو تسوية تحفظ مصالح الجميع، وتجنب انفجار أكبر في المنطقة، مع إشراك القوى الإقليمية والدولية في ضمان استقرار الشرق الأوسط على المدى المتوسط. هذه المرحلة الحرجة تتطلب من الداخل الإيراني الحذر في إدارة السلطة الجديدة، ومن الخارج التوازن بين الضغوط والحلول التفاوضية لضمان عدم انزلاق المنطقة نحو مواجهة شاملة، مع العمل على تسوية تدريجية تحمي مصالح الجميع وتقلل من مخاطر التصعيد العسكري.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء