رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

إمبراطورية «عين شمس» في التعليم العالي.. قنصوة في مواجهة مراكز القوى|خاص

وزير التعليم العالي
وزير التعليم العالي والبحث العلمي

لم يعد الحديث عن «تمركز القيادات» داخل وزارة التعليم العالى مجرد همس فى الكواليس، بل تحول إلى ملف ساخن يفرض نفسه بقوة مع كل تغيير وزاري، فبعد سنوات وُصفت بأنها مرحلة «إمبراطورية جامعة عين شمس»، يقف الدكتور عبدالعزيز قنصوة وزير التعليم العالى الجديد أمام تركة ثقيلة من التساؤلات والانتقادات، حول معايير الاختيار، وتضخم المستشارين، وتداخل الاختصاصات، ومركزية القرار.

القصة لم تبدأ اليوم، لكنها انفجرت إلى السطح مع تزايد أعداد القيادات والمستشارين القادمين من جامعة واحدة، وبالأخص من كلية الهندسة – قسم العمارة – التى ينتمى إليها الوزير السابق الدكتور أيمن عاشور. الأمر الذى أثار غضبًا واسعًا داخل أروقة الوزارة وبين جامعات الأقاليم، التى رأت فى المشهد ما يشبه «دولة داخل الدولة».

 

التعيينات… من الانسجام إلى الاتهام بالشللية

لم يكتفِ الوزير السابق بوجود قيادات بارزة من جامعة عين شمس بالفعل على رأس العمل، مثل د. مصطفى رفعت أمين المجلس الأعلى للجامعات، ود. عبدالوهاب عزت أمين مجلس الجامعات الخاصة، بل اتجه – بحسب ما أثير – إلى توسيع دائرة الاختيار من ذات الجامعة.

فتم تكليف  قيادات آخرين أفتربت من 40 مستشارا  فى قطاعات ذات أهمية وخصوصية من نفس الجامعة ، في قطاعات تشمل الإدارة المركزية لشئون قطاع البعثات، اللجنة الوطنية لليونسكو، ووحدة الابتكار المؤسسى، ولم تتوقف التعيينات عند هذا الحد، إذ تم تكليف قيادات آخرين كاستشاريين فى الجامعات الأهلية بالإضافة إلى قطاع التعليم وشئون المعاهد ، وفى استكمال لما وصفه البعض بـ«إمبراطورية عين شمس»، تم تعيين قيادات أخرى فى قطاعات الابتكار والبحث العلمى، والتعاون الدولى، والشئون الفنية، وشئون الحياة الطلابية، رغم وجود مستشار للأنشطة الطلابية من جامعة أخرى ، وشملت القيادات قطاعات السياسات والشئون الاقتصادية ، ومجلس فروع الجامعات الدولية.

المدافعون عن هذه السياسة تحدثوا عن «الانسجام» وسرعة اتخاذ القرار، وأن الوزير يحتاج فريقًا يفهمه ويعمل بتناغم. لكن المنتقدين رأوا أن الانسجام إذا تحول إلى احتكار، يصبح عزلة فكرية تهمش بقية الجامعات، خاصة جامعات الصعيد والدلتا والجامعات التكنولوجية الوليدة.

وتجاوز عدد المستشارين – بحسب ما أثير – الأربعين مستشارًا، فى ظل استحداث إدارات جديدة، وتداخل اختصاصات، وهو ما اعتبره البعض تضخمًا إداريًا غير مبرر ، وهنا يفرض السؤال نفسه ، هل تنجح الوزارة فى استعادة توازنها المؤسسى؟، وهل تتحول المرحلة الجديدة إلى كسر لثقافة «الشللية» الأكاديمية؟ أم يستمر النهج القديم بصيغة مختلفة

 هل يدار التعليم العالي بعقلية "الشللية" الأكاديمية؟

يقول الدكتور محمد كمال أستاذ الأخلاق بجامعة القاهرة ، انه مع كل تغيير وزاري منذ 2010 يتردد تساؤل في التعليم العالي يفرض نفسه بقوة على طاولة النقاش العام: حول ما هي معايير اختيار مساعدي صناع القرار؟  لماذا يصر وزراء التعليم العالي على تحويل مكاتبهم إلى "مستعمرات" لجامعاتهم الأصلية؟

وأشار أستاذ الأخلاق بجامعة القاهرة  ، إلى أن  ظاهرة اختيار معظم المستشارين من جامعة الوزير سواء عين شمس في الفترة الأخيرة أو الزقازيق والمنصورة قبلها فلم يعد الأمر مجرد صدفة إدارية، بل تحولت إلى نهج يثير الريبة حول معايير الكفاءة والعدالة المؤسسية. فحين يكون هناك 28 جامعة حكومية ويتم اختيار معظم المستشارين ورؤساء القطاع من جامعة الوزير فإننا نكون أمام مركزية أكاديمية قد تهمش احتياجات الأطراف.

 ويرى " كمال " أن المدافعون عن هذا التوجه يروجون لفكرة "الانسجام"، فالمستشار القادم من ذات الجامعة يفهم لغة الوزير وتفكيره، مما يقلل الفجوة الزمنية لبناء الثقة ويسرع عجلة العمل. لكن الواقع يثبت أن هذا التناغم غالباً ما يتحول إلى "صوت واحد" يفتقر للنقد البناء. فحصر الاستشارات في دائرة ضيقة من جامعة واحدة يخلق "عزلة فكرية"؛ فالأكاديمي الذي لم يغادر أسوار جامعة كبرى في العاصمة، كيف له أن يشعر بأوجاع جامعة في الصعيد أو الدلتا أو التحديات اللوجستية والتمويلية التي تواجهها، أو كيف يدرك احتياجات جامعة تكنولوجية وليدة تحتاج فكر استثماري مختلف.؟

الخطر الأكبر يكمن في "تضارب المصالح" غير المعلن؛ فحين يكون المخطط والمراقب والمنفذ من مدرسة واحدة، تضعف الرقابة وتغيب الشفافية، ويصبح القرار منحازاً بالتبعية لنموذج جامعة الوزير على حساب تنوع المنظومة التي تضم أكثر من 130 مؤسسة تعليمية ما بين حكومية وأهلية وخاصة وتكنولوجية.

ومن هنا والكلام  للدكتورمحمد كمال ، كان من الضروري التوقف عن ثقافة الشللية التي تقتل الطموح وتبعد الكفاءات، وأن يدرك الوزير، أي وزير، أن الوزارة ليست ملكية خاصة أو فرعاً لجامعته، بل هي مظلة قومية. التغيير يبدأ من الإيمان بأن التنوع هو مصدر القوة؛ فوجود مستشار من جامعة إقليمية، وآخر من القطاع الخاص، وثالث من خلفية دولية، يضمن للوزير رؤية شاملة بزاوية 360 درجة. بينما الاستمرار في النهج القديم هو انتحار إداري يحرم الدولة من عقول فذة لمجرد أنها لا تملك رقم  الجلوس الصحيح في جامعة الوزير.

الكفاءات الموجودة في الجامعات المصرية الأخرى.

بينما يرى الدكتورعادل النجدى عميد كلية التربية الأسبق بجامعة أسيوط الظاهرة من زاوية أخرى ، قائلا أن ما أثير فى الفترة الأخيرة  حول العديد من الأقاويل بشأن ما وُصف بالمجاملات المثيرة والتعيينات الصارخة التي قام بها وزير التعليم العالي السابق أيمن عاشور، والتي قيل إنها شابها قدر من المجاملة لزملائه بكلية الهندسة بجامعة عين شمس وجامعته، دون النظر بالقدر الكافي إلى الكفاءات الموجودة في الجامعات المصرية الأخرى.

«وزارة هندسة عين شمس»

وأضاف " النجدى " الى أن تلك التعيينات شملت  الهيكل الرئيسي لوزارة التعليم العالي، حتى إن البعض أطلق عليها وصف «وزارة هندسة عين شمس»، في إشارة إلى تركز عدد من القيادات  من خلفية أكاديمية واحدة.  بالوزارة كما تزايد عدد المستشارين بالوزارة، ليتجاوز 40 مستشارًا، معظمهم من الجامعة ذاتها، مع استحداث إدارات جديدة داخل الوزارة لتعيين بعض المقربين في مناصب قيادية، دون مراعاة كافية لمعيار الكفاءة العلمية.

ولوحظ كذلك تولي بعض المدرسين والأساتذة المساعدين مناصب قيادية بالوزارة، في ظل ما اعتبر إغفالًا للسيرة العلمية والكفاءة البحثية كمعايير أساسية للاختيار.

هذا الوضع،  الغير سليم يضع عددًا من التحديات أمام وزير التعليم العالي الجديد الدكتور عبدالعزيز قنصوة، من أبرزها:

أولًا: العمل على تقليص عدد المستشارين بالوزارة، مع الحفاظ على انتظام دولاب العمل واستقراره، بل وتطويره وتحديثه، في ضوء الملفات التي كلّفته بها القيادة السياسية.

ثانيًا: توسيع دائرة الاختيار والنظر إلى الكفاءات في جميع الجامعات المصرية دون تحيز أو مجاملة لجامعة بعينها، والاستعانة بأصحاب الخبرة والقدرة بغض النظر عن مواقعهم أو انتماءاتهم المؤسسية، بحيث تكون الرؤية شاملة وعادلة تعكس التنوع الأكاديمي داخل منظومة التعليم العالي 

ثالثا : اعتماد المؤسسية في اختيار المناصب القيادية بعيدا عن الأهواء الشخصية ويمكن ذلك من خلال تشكيل لجنة لاختيار القيادات من وزراء سابقين وقيادات إدارية وخبرات أكاديمية. تعلن عن المناصب الشاغرة. وتتولي استقبال رغبات الأساتذة وإجراء مقابلات وترشح عدة أسماء لكل منصب شاغر يختار من بينها معالي الوزير من يراه قادرا علي تنفيذ سياساته وخططه التطويرية.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء