رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

24 فبراير 2022.. تاريخ قد يُنظر إليه بعد سنوات، وربما عقود، بوصفه لحظة فارقة في مسار الحضارة الإنسانية المعاصرة، ففي فجر ذلك اليوم، دفعت روسيا بآلاف الجنود والدبابات عبر الحدود الأوكرانية، لتبدأ اجتياحًا واسعًا أعاد الحرب النظامية الكبرى إلى قلب أوروبا.

منذ ربيع 1945، تشكّل النظام الدولي على ركيزتين أساسيتين: شرعية قانونية تستند إلى ميثاق الأمم المتحدة، وواقع سياسي كرّسته الهيمنة الأمريكية الغربية. هذا الواقع جعل اندلاع حرب تقليدية واسعة في أوروبا أقرب إلى المحظورات الاستراتيجية. غير أن الحرب الروسية الأوكرانية كسرت هذا التصور، وأعادت أوروبا إلى معادلة جيوسياسية وأمنية تتقدم فيها مفاهيم الردع الصلب، والتسلح المكثف، والتعبئة، بل والانكفاء الجزئي عن العولمة الاقتصادية.

في سنواتها الأولى، دفعت الحرب الغرب إلى التوحد تحت مظلة حلف شمال الأطلسي بهدف منع انهيار أوكرانيا واحتواء التمدد الروسي. فُرضت عقوبات واسعة النطاق على موسكو، وتدفقت أشكال متعددة من الدعم العسكري إلى كييف، مع تجنب الانخراط في مواجهة مباشرة مع روسيا. هذا التحرك حال دون تحقيق نصر روسي سريع، لكنه لم ينجح في كسر روسيا أو إنهاء قدرتها على مواصلة القتال.

فالعقوبات، رغم قسوتها، لم تُدمّر الاقتصاد الروسي، ومع مرور أربع سنوات من المعارك الطاحنة تمكنت موسكو من السيطرة على نحو خمس الأراضي الأوكرانية، وأدارت صراع استنزاف طويلًا كشف حدود المقاربة الغربية.

كان الرهان الروسي قائمًا على عاملين رئيسيين: موقف الصين ودول الجنوب العالمي من منظومة العقوبات الغربية، وقدرة الغرب على الحفاظ على وحدته السياسية وتحمل كلفة صراع ممتد ضد قوة كبرى تمتلك موارد عسكرية وطاقة هائلة. وقد أظهرت التطورات أن هذا الرهان لم يكن بلا أساس. فالصين ومعظم دول الجنوب العالمي امتنعت عن الانخراط في منظومة العقوبات التي بقيت في جوهرها إطارًا غربيًا، فيما بدأت تظهر تدريجيًا تصدعات داخل المعسكر الغربي نفسه، خاصة مع عودة دونالد ترامب إلى البيت الأبيض وتقليص الالتزامات الأمريكية داخل الهيكل الأمني الأوروبي.

لم تكن الحرب مجرد صراع حدودي، بل تحولت إلى اختبار بنيوي لنظام دولي يتعرض لتآكل متسارع. ما نشهده ليس انهيارًا كاملًا، بل تسارعًا في عملية تفكك تدريجي. فالعقوبات لم تعد أداة ردع حاسمة كما في السابق، والتحالفات لم تعد صلبة كما افترضت عواصم الغرب، ومفهوم “العالم الحر” لم يعد جامعًا كما كان في تسعينيات القرن الماضي.

الولايات المتحدة، العمود الفقري للنظام الليبرالي رغم تراجعها النسبي، لم تفقد قدرتها العسكرية أو الاقتصادية، لكنها بدأت تعيد تعريف التزاماتها. النزعة الأحادية ذات الطابع المعاملاتي، أي منطق الصفقات، التي تعززت مع عودة ترامب، تعكس انتقالًا من قيادة النظام الدولي إلى إدارة المصالح الأمريكية بأقل تكلفة ممكنة. هذا التحول لا يعني انكفاءً كاملًا، لكنه يضعف منسوب اليقين لدى حلفاء واشنطن، ويبعث برسائل ملتبسة حول مدى استعداد الولايات المتحدة لتحمل أعباء الدفاع عن النظام الذي أنشأته.

في المقابل، لم تنجح روسيا والصين في بناء نظام بديل مكتمل المعالم، لكنهما نجحتا في تقويض احتكار الغرب لأدوات النفوذ والهيمنة. شراكتهما تظل شراكة مصلحة لا تحالفًا أيديولوجيًا متكاملًا، إلا أنها وفرت مساحات مناورة لدول الجنوب العالمي عبر ترتيبات مالية موازية، وتوسيع أطر مثل مجموعة بريكس، وتعزيز التبادل خارج النظام المالي الغربي. هذه البدائل ليست كافية لتأسيس نظام عالمي جديد، لكنها كافية لإضعاف فاعلية النظام العالمي القائم.

النتيجة ليست تعددية قطبية مستقرة، بل فراغًا نسبيًا في مركز النظام. فراغ في القيادة، وفراغ في المرجعية، وفراغ في القدرة على فرض الانضباط. عالم تتراجع فيه القدرة على ردع المغامرات، وتتزايد فيه الحسابات الإقليمية الضيقة، ويصبح فيه استخدام القوة أداة أكثر اعتيادًا وأقل كلفة سياسيًا.

عندما تصمت المدافع في أوكرانيا، أيًّا كان شكل النهاية، ستكون النتيجة مؤشرًا بالغ الأهمية على اتجاه النظام الدولي.

إذا خرجت روسيا وقد كرّست مكاسبها عبر إقرار شروطها لإنهاء الحرب، فإن ذلك سيُقرأ بوصفه إقرارًا بحدود الردع الغربي. وإذا انتهت الحرب بتسوية هشة أو صراع مجمّد، فإن ذلك سيعني ترسيخ حالة اللامعيارية: لا نصر حاسمًا ولا هزيمة واضحة، بل نظامًا معلقًا بين الماضي والمستقبل، ما يجعل فرص تجدده شبه حتمية. أما إذا تمكن الغرب من فرض تسوية تعيد تثبيت قواعده، وهذه الاحتمالية الأضعف، فسيكون ذلك محاولة لإبطاء مسار تآكل النظام الدولي، لا إنهاءه.

المشكلة أن العالم لا يشهد ميلاد نظام جديد بقدر ما يشهد اهتزاز النظام القديم دون بديل جاهز. فالصين لا ترغب في تحمل أعباء القيادة العالمية الكاملة، وروسيا تفتقر إلى الأدوات الاقتصادية والتكنولوجية الكافية لتعيد وضعيتها التي كانت عليها في الزمن السوفيتي، والولايات المتحدة تبدو أقل استعدادًا لتحمل التكلفة التاريخية لقيادة النظام الدولي الذي أنشأته بشكل منفرد.

وهكذا نجد أنفسنا في لحظة انتقالية خطرة، تتآكل فيها المرجعيات دون أن تتشكل بدائل مستقرة. وكما كتب أنطونيو غرامشي خلال فترة ما بين الحربين العالميتين: “العالم القديم يحتضر، والعالم الجديد يتعثر في ولادته، وفي هذا الفراغ يحل زمن الوحوش.”

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء