رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

التحديات الأمنية: الجيوش الإفريقية في مواجهة العصابات والجريمة المنظمة

 العنف في إفريقيا
العنف في إفريقيا - أرشيفية

تعاني معظم الدول الإفريقية من تفشي ظاهرة انتشار العصابات المسلحة والجريمة المنظمة، خاصة في المناطق المهمشة البعيدة عن مركز السلطة في العواصم، ولمواجهة انتشار الجريمة المنظمة، اتخذت العديد من الدول الإفريقية سياسات متنوعة من أجل القضاء على تلك الظاهرة، خاصة في ظل تحول ظاهرة الجريمة المنظمة إلى الظاهرة الإرهابية.

إذ سرعان ما تلبس العصابات الإجرامية أبعادًا أيديولوجية دينية لتتحول إلى منظمات جهادية تحاول تطبيق الشريعة بالقوة في المناطق التي تسيطر عليها، وعادة ما تجد العصابات الإجرامية ضالتها في تبني الأفكار الجهادية التي تتيح لها مساحات أوسع في السيطرة على السكان المحليين وفرض الضرائب والإتاوات والديات تحت ستار الجهاد وتطبيق الزكاة.

شهدت نيجيريا والنيجر العديد من الممارسات التي تحولت فيها العصابات الإجرامية إلى تنظيمات جهادية مسلحة، ولأجل مواجهة تلك الظاهرة اتخذت العديد من الدول الإفريقية سياسات متنوعة من أجل القضاء على ظاهرة العصابات والجريمة المنظمة. فمثلًا، في نيجيريا مؤخرًا اتخذت سياسات عمرانية قائمة على إزالة المناطق المهمشة والعشوائية التي تعد حاضنة للعصابات الإجرامية في البلاد.

واجهت السياسات النيجيرية بإزالة المناطق العشوائية غير الآمنة، التي تعد مآوي طبيعية للعصابات الإجرامية، انتقادات واسعة؛ فهي من ناحية لم تقضِ تمامًا على خطر العصابات الإجرامية، بل زادت أيضًا من حدة نشاطها في المدن النيجيرية، خاصة مع تزايد أعداد النازحين من المناطق العشوائية التي تمت إزالتها.

 العنف في إفريقيا - أرشيفية
 العنف في إفريقيا - أرشيفية

وفي محاولة أخرى لمواجهة خطر العصابات والجرائم المنظمة، لجأت دولة جنوب إفريقيا إلى حيلة أخرى لمواجهة تلك العصابات، وهي استدعاء الجيش الوطني في مواجهة العصابات، لتشكل قوى الجيش، رفقة قوات الأمن والشرطة، حائط صد أمام انتشار الجريمة المنظمة. وفي هذا التقرير سيتم الكشف عن مدى نجاعة الخطة الجنوب أفريقية في مواجهة الجريمة المنظمة بواسطة قوى الجيش.

الحالة الأمنية في جنوب إفريقيا

تعاني جنوب إفريقيا من مستويات عالية من العنف والجريمة المنظمة، حيث تعاني العديد من المناطق والمجتمعات في جنوب أفريقيا من انعدام الأمن، وذلك بفعل وأثر انتشار العصابات المسلحة التقليدية، وكذلك ترابط شبكات الجريمة المنظمة الحديثة والمتورطة في العديد من الأنشطة مثل السرقة، وتجارة المخدرات، والتعدين غير القانوني.

وفق إحصائيات معهد الدراسات الأمنية في بريتوريا، تشهد جنوب إفريقيا انخفاضًا في معدلات الجريمة بنسبة تتراوح ما بين 3% إلى 6% في عام 2025، إلا أن تلك النسبة ما تزال ضعيفة، وهو ما يعني أن الاستجابات الأمنية لا تحقق تحسينات مستدامة.

حيث يبلغ متوسط القتل يوميًا حوالي 69 قتيلًا نتيجة جرائم العصابات، كما أن جرائم القتل المرتبطة بالعصابات تبلغ حوالي 10.5%، أما الجرائم التي يرتكبها مسلحون ينتمون إلى جماعات مسلحة فتبلغ حوالي 13%، فيما تبلغ نسبة الجرائم المتعلقة بالتعدين غير المشروع في البلاد حوالي 13%، وأخيرًا تبلغ نسبة جرائم القتل المتعلقة بالسرقة حوالي 15%. أما فيما يخص عمليات السطو في جنوب أفريقيا، فيتم الإبلاغ يوميًا عن 338 عملية سطو و52 عملية اختطاف بصفة يومية.

 العنف في إفريقيا - أرشيفية
 العنف في إفريقيا - أرشيفية

قوات الدفاع الوطني في مواجهة العصابات

فشلت حملات إنفاذ القانون في تغيير الظروف ومواجهة تمدد العصابات ومنظمات الجريمة المنظمة في جنوب إفريقيا. ومن أجل تعزيز الجهود الحكومية في مواجهة تمدد عصابات الجريمة المنظمة، طالب الرئيس سيريل رامافوزا باستخدام قوات الدفاع الوطني الجنوب إفريقية (قوات الجيش) للتدخل ودعم جهاز الشرطة في مكافحة عنف العصابات، خاصة العصابات الخاصة بالتعدين غير القانوني في البلاد. وترجع دعوة رامافوزا إلى معاناة المجتمعات المحلية من أزمة انتشار الجماعات الإجرامية وشعورها بضرورة تدخل الحكومة لتوفير إغاثة فورية.

تداعيات استخدام الجيوش في مكافحة الجرائم

يعد استخدام الجيوش الوطنية في مكافحة الجرائم والعصابات عملية تحول وظيفي في المهام الخاصة بالجيوش الإفريقية، قد ينتج عنها العديد من الإيجابيات والسلبيات، والتي من أبرزها:

أولًا: تعزيز الجهود الشرطية

 يشير استخدام الجيوش الوطنية في أعمال الشرطة إلى تحقيق استقرار مؤقت، حيث يؤدي تدخل الجيوش في المراحل الأولية إلى تعزيز قدرات الشرطة المحلية، وتوسيع نطاقات سيطرتها، وتمكينها من العمل في بيئات أكثر أمانًا، وتخفيف حدة التعامل العنيف مع الشرطة، وبالتالي إتاحة الفرصة أمام المجتمعات المتضررة للتعافي.

 العنف في إفريقيا - أرشيفية
 العنف في إفريقيا - أرشيفية

ثانيًا: التكيف المرحلي

 تشير أيضًا نتائج استخدام الجيوش في مكافحة الجريمة إلى أن منظمات وعصابات الجريمة لديها المرونة والقدرة على التكيف مع مختلف الظروف، لذا غالبًا ما تلجأ العصابات إلى التكيف مع المستجدات وتطويع تلك المستجدات في خدمة أهدافها. فعلى سبيل المثال، تنخر العصابات في المؤسسات الأمنية والعسكرية الإفريقية من بوابة الفساد الإداري، الذي يوفر غطاءً أمنيًا أمام تلك العصابات للتحرك بحرية.

ثالثًا: الفشل الوظيفي

 رغم الإيجابيات التي قد تحققها القوات العسكرية في مواجهة العصابات في البداية، إلا أنها على الأجل المتوسط قد تواجه فشلًا ذريعًا نظرًا للتباين الهيكلي بين القدرات العسكرية ومتطلبات العمل الشرطي المدني. فالعمل الشرطي المحلي يتطلب تحقيقات متواصلة، وأنظمة استخبارات فعالة، ونشاطات محلية فاعلة، أما العمل العسكري فيعتمد في الأساس على أسلوب دحر الخصوم. كما أن القوات العسكرية مدربة على أن الجهات المعادية بمثابة أهداف مشروعة يجب التخلص منها، وأن عدم التخلص منها جريمة يعاقب عليها القانون العسكري، لكن في سلك مكافحة العصابات الأمر مختلف تمامًا، إذ ينبغي التعامل معها وفق أسس وآليات مختلفة، مثل الحفاظ على الأرواح والأدلة، والعمل ضمن قيود قانونية ودستورية، والتعامل مع أفراد العصابات على أنهم غير مذنبين حتى تثبت إدانتهم من قبل الأجهزة القضائية.

رابعًا: غموض قواعد الاشتباك

 عادة ما يواجه استخدام القوات العسكرية في مكافحة الأعمال الإجرامية غموضًا كبيرًا في قواعد الاشتباك، كما تم إيضاحه في النقاط السابقة. ويسود حاليًا قلق في جنوب إفريقيا من خطر الاعتماد على القوات العسكرية في مكافحة الجرائم والعصابات، لما تمتلكه القوات العسكرية من سجل سيئ للغاية في أمور مشابهة. ففي ذروة أزمة جائحة كورونا، تم استخدام القوات العسكرية في السيطرة على تداعيات الجائحة، حيث لجأت القوات العسكرية إلى استخدام القوة المفرطة في تطبيق عملية الإغلاق الكلي، وهو ما أدى إلى تزايد التوتر السياسي والشعبي في البلاد.

 العنف في إفريقيا - أرشيفية
 العنف في إفريقيا - أرشيفية

خامسًا: تعزيز ديناميكيات العصابات

 من ضمن الأخطار التي قد تواجهها عملية إقحام القوات العسكرية في مكافحة العصابات تعزيز ديناميكيات العصابات، حيث قد تستغل العصابات أخطاء الانتشار والتدخل العسكري في طرح نفسها كبديل للحماية وحل النزاعات في المجتمعات المحلية، فضلًا عن دورها في الدعم الاقتصادي.

ختامًا: 

يجب إدراك أن الوقاية من العنف تتطلب نهجًا شاملًا لا يُقلل من أهمية إنفاذ القانون. وتتمثل الأولوية العاجلة في وضع خطة عملياتية لاستخدام الانتشار الأمني كنقطة انطلاق لإجراء تحقيقات أكثر تنسيقًا وقائمة على المعلومات الاستخباراتية ضد شبكات الجريمة المنظمة. كما يجب سحب الأسلحة النارية غير المشروعة من التداول.

محمد الدابولي*

باحث في السياسات الدولية

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء