رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

حكايات ساعة قبل الفطار.. الـعسـل

حكايات ساعة قبل الفطار..
حكايات ساعة قبل الفطار.. الـعسـل

في كل عام، يحمل رمضان معه ذكريات وطقوسًا خاصة لكل شخص لكن هناك بعض اللحظات التي تصنع رمضان مختلفًا تمامًا، لحظات تتخطى الصيام والإفطار لتصبح تجربة حياة لا تنسى.

هذه المرة، رمضان جاء محملاً بمذاق خاص، يجمع بين الحب والفرح والمسؤولية، ليصبح شهرًا لن ينساه الزوجان حديثا الزواج، بين ضحكات الانتظار، وهواجس الأيام الأولى، تبدأ قصة العسل، في هذه القصة من المجموعة القصصية "حكاية ساعة قبل الفطار" للكاتب إبراهيم عبد المجيد،

العسل

هكذا شاءت ظروف عمله أن تكون أجازته السنوية هذا العام في رمضان الكريم، زملاؤه المصريون يقولون له ضاحكين هذا هو الجهاد الأعظم، فهو سيتزوج ويمضي شهر العسل ويعود تاركا زوجته. زملاؤه السعوديون يضحكون ويقولون: «والله يا راجل انت صعبان علينا، بس مافي مشكلة الدنيا شتا وعندك الليل طويل».

أما هو فقد لجأ إلى شيخ الجامع القريب وسأله هل يبيح له الزواج والإفطار في رمضان. وطبعا قال له الشيخ أن الزواج لا يبيح الإفطار في رمضان، لكن من المؤكد أن أجره عند الله سيزيد هذا العام عن كل صيام سابق.

في القاهرة، كانت عروسه تنتظره في ارتباك، غير قادرة أن تسأل هذا السؤال لأحد. صاحباتها يضحكن ويقلن لها: «إنتي مش أول واحدة تتجوز في رمضان، وبعدين يعني انتي حتسافري معاه بعد رمضان وهناك حيبقى شهر العسل الحقيقي».

حدثته عبر الشات أن يحاول إرجاء أجازته لبعد العيد الصغير فأخبرها باستحالة ذلك: سيصل في اليوم الخامس من رمضان، وسيكون حفل الزواج في اليوم العاشر، ويعود إلى السعودية آخر أيام العيد الصغير.

تم عقد القران وانتهى حفل الزواج، وصعدا إلى غرفتهما التي خصصها لهما الفندق الذي أقيم فيه الحفل ليوم واحد، وفي اليوم الثاني طارا إلى طابا لقضاء أسبوع هناك. في الطائرة جلس جوارها صامتا يبتسم من سوء الحظ. فموعد الفرح جاء أيضًا مع موعد دورتها الشهرية، ولم تخبره بذلك، فكان يمكن تأجيل الفرح أسبوعًا آخر.

جلست ليلة الزفاف صامتة، تضع رأسها بين يديها وقالت له:

ـ  سامحني يا حبيبي ما قدرتش أقول لك، زهقت من الظروف دي وقلت على الأقل أبقى جنبك.

قال مبتسمًا وهو يرفع يديه إلى السماء:
ـ  رمضان… وقلت مش بإيدي تطلع لي الدورة كمان. سبحانك ما أعظم شأنك.

ثم ضحك وأمسك بيديها يقبلهما، ودموعها تنزل على خديها.

في الطائرة قال لها ضاحكًا:

ـ العيلة كلها عرفت ميعاد الدورة الشهرية بتاعتك.
لكزته في ذراعه وقالت:
ـ  إزاي؟
ضحك وقال:

ـ  العيلة كلها كانت مستنية المنديل، دم البكارة.
ضحكت وسألته:
ـ  جبتيه معاكي؟

قال: نسيت. كمان طيب نشتري منديل من طابا.
لكن ارتسم على وجهها شيء من الألم، فقال لها:

ـ  يا حبيبتي أهم حاجة في الدنيا إن احنا مع بعض. كفاية إنك في حكايات ساعة الإفطار. حضني. دا بالدنيا كلها.

ثم ضحك وقال:
ـ إيه رأيك نفطر هنا وماحدش شايف حاجة؟
نظرت إليه مندهشة فقال ضاحكًا:

ـ حتى لو فطرنا، السكة مقفولة خمس أيام.
قرصته في ذراعه وبعد خمسة أيام دخلا، لكن كان عليهما أن يعودا إلى القاهرة.

في شقتهما تم تأثيثها كاملة، وسيمضيان بقية الإجازة بها.

جهزت أمها الشقة بكل ما يمكن أن يحتاجه العروسان من طعام، واعتذرا عن كل دعوة للإفطار من أسرتها أو أسرته.

الآن سيمضيان أيام العسل كما ينبغي، أمضيا الليل في هناء والنهار في نوم أو أمام التليفزيون.
يقول هو:

ـ على فكرة، البوس مش حرام.
تضحك وتمضي من أمامه.

ثم قال ويكمل:

ـ أنا سألت واحد شيخ في السعودية.
تقول له:.

ـ  أدخل معايا المطبخ، ساعدني وسلي نفسك بالشغل.

دخل معها المطبخ الذي وضعت فيه راديو مفتوحًا على محطة القرآن الكريم.

راح يساعدها بهمة، خاصة أن حياته وحده في الغربة جعلته مدربًا على الطهو، لكنه بين الحين والآخر يخطف قبلة أو يأخذها إلى صدره فتترك نفسها لحظة، ثم تبتعد. يبدو التوتر على وجهها. فجأة قال لها:

ـ سمعتي؟
قالت: سمعت إيه؟
ـ الشيخ اللي بيتكلم في الراديو قال أن كل حاجة حلال في الصيام إلا الجماع. زي ما قال لي الشيخ السعودي بالظبط.

قالت: حبيبي، انت بتسمع اللي انت عايزه؟ وبعدين يا عين، انت ما بتشبعش؟
قال ضاحكا:
ـ أشبع؟ دا أنا أكبر محروم في الدنيا. دا هما أربع أيام دلوقتي… والحقيقة هما اتنين، لأن لينا في كل يوم نصه، بس نص في أربعة، يعني اتنين.

قالت: طيب، طيب… أصبر يا حبيبي، خليني أشوف الأكل ليشيط على النار.

وعادت إلى عملها، أحسن حاجة تغسل المواعين اللي استخدمتها، تقف بعيد عند الحوض.

قال بدهشة: بعيد؟ المتر ده يبقى بعيد؟
قالت: أيوة، تدي وشك للحيط.

قالت ضاحكة، وهو بدوره ضحك وراح يغسل المواعين، وهي بدأت تنتبه إلى أنها سمعت الشيخ يقول شيئًا قريبًا مما قاله لها.

ابتسمت واستغفرت الله، وواصلت عملها. بعد لحظات ترك الحوض والأواني، جاء من خلفها وأحاطها بذراعه، وراح يقبل عنقها من الخلف. كان صوت الشيخ رفعت يأتي من الراديو، وعادة يأتي قبل الإفطار بخمس دقائق. حاولت التملص، لكنها لم تستطع.

نظر إليها صامتة، ولاحظ شرود عينيها وقال بصوت خفيض:

ـ  حرام… أنا خايفة.

وكان الشيخ قد انتهى وانطلق مدفع الإفطار، فحملها إلى السرير قائلاً:.

ـ  نفطر عسل النهاردة.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء