البطلة ابتسامات محمد.. أول ضابطة مصرية ورمز الشجاعة الوطنية في حرب أكتوبر
في ذكرى العاشر من رمضان، نستحضر قصة بطولية استثنائية للمرأة المصرية، تجسد الشجاعة والإصرار والتفاني في خدمة الوطن.. إنها قصة ابتسامات محمد عبد الله، أول ضابطة في الجيش المصري، التي لم يتوقف دورها على ارتداء الزي العسكري فحسب، بل حملت رسالة وطنية حقيقية منذ اللحظة التي قررت فيها الانضمام إلى الهلال الأحمر المصري، لتكون جزءًا من المجهود الحربي في حرب فلسطين عام 1948.
ولدت ابتسامات محمد عبد الله عام 1927 في محافظة بني سويف لأب ضابط في القوات المسلحة وأم سودانية، في بيئة عسكرية مليئة بالقيم الوطنية والانتماء للوطن.
منذ صغرها، كانت حكايات الجيش والانضباط والشجاعة جزءًا من حياتها اليومية، ما شكل شخصيتها الوطنية، تلقت تعليمها الابتدائي في مدارس فرنسية، لكنها لم تكمل تعليمها العالي، واكتشفت شغفها بالتمريض والخدمة العامة، فاختارت الانضمام للهلال الأحمر المصري لتقديم الرعاية الطبية للجنود والمصابين، وبالفعل بدأت رحلة العطاء الوطني منذ سن العشرين.

التحاق الجيش
في إطار المجهود الحربي خلال الحرب العربية الإسرائيلية عام 1947، تقدمت ابتسامات للالتحاق بالقوات المسلحة ضمن 75 فتاة متطوعة، واجتازت اختبارات دقيقة تشمل المقابلات الشخصية والتقييمات العملية.
اختيرت ضمن 20 فتاة فقط، ونالت رتبة ملازم أول لتصبح أول ضابطة في الجيش المصري رسميًا، وكان ترتيب اسمها الأبجدي يمنحها المرتبة الأولى، مما منحها هذا التميز التاريخي.
هذه الخطوة لم تكن سهلة، فقد تحدت العادات والتقاليد في ذلك الوقت لتثبت أن المرأة المصرية قادرة على المشاركة في العمل الوطني بنفس قدر الرجال، بل وأحيانًا في ظروف أصعب وأكثر خطورة.

الخدمة الميدانية
خلال حرب 1948، خاضت ابتسامات تجربة فريدة في المستشفى الميداني الذي أقيم داخل أحد المنازل بمدينة غزة، حيث اعتنت بمصابي العمليات العسكرية وضمدت جراح الجنود والضباط تحت ظروف صعبة للغاية، أحيانًا وسط القصف وغياب الموارد الكافية.
لم تقتصر مساهمتها على الرعاية الطبية، بل كانت مثالاً حيًا على التفاني والإخلاص الوطني، حيث كانت تتنقل بين أقسام المستشفى لضمان تقديم أفضل رعاية ممكنة للجرحى، ما جعلها قدوة لكل امرأة مصرية وشابة تسعى لخدمة مجتمعها ووطنها.
تكريم الدولة
منحها الملك فاروق الأول ساعته الذهبية خلال حفل إفطار تكريمًا لدورها البطولي والمتميز، كما منحت نوط الجدارة والاستحقاق، لتظل رمزية هذا التكريم شاهدة على احترام الدولة للمرأة المصرية في المجالات العسكرية والخدمية.
كما تم تكريمها من قبل المجلس القومي للمرأة ووزارة الدفاع المصري، حيث تم إهداؤها دروعًا وشهادات تقدير تعكس مدى أهمية دورها في تاريخ القوات المسلحة ومثالها الوطني الذي لا ينسى.

علاقة بالرئيس محمد نجيب
كانت ابتسامات على صلة وثيقة بالرئيس الراحل محمد نجيب، الذي ساعدها في بعض الشؤون العائلية، وكان دائمًا داعمًا لها خلال حياتها المهنية.
هذه العلاقة ليست مجرد حكاية شخصية، بل تعكس تقدير الدولة لأول ضابطة مصرية وأهمية مشاركة النساء في المسار الوطني، وكم كان لإسهاماتها دور بارز في تشكيل صورة المرأة المصرية القادرة على المشاركة الفعلية في الدفاع عن الوطن وخدمة جنوده.
رحيل ابتسامات محمد عبد الله في 29 يوليو 2024 عن عمر ناهز 97 عامًا لم ينهي قصة البطلة، بل كان ختام فصل من العطاء الوطني الذي كتبته بيدها.
ونعت القيادة العامة للقوات المسلحة المصرية الفقيدة، مؤكدة أن لها دورًا بطوليًا في حرب فلسطين عام 1948، حيث حملت السلاح وشاركت في تمريض مصابي العمليات بالمستشفى الميداني الذي أقامته مصر داخل مدينة غزة، مجسدة أسمى معاني التضحية والوطنية. وستظل ذكراها العطرة رمزًا للمرأة المصرية وفخرًا للقوات المسلحة