رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

تقرير لـ "باستيت": تحولات إدارة ما بعد "داعش" في العراق

أرشيفية
أرشيفية

شهدت الفترة الممتدة بين أواخر يناير ومنتصف فبراير 2026 تحولًا نوعيًا في إدارة ملف معتقلي تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، عقب تنفيذ عملية واسعة النطاق لنقل آلاف المحتجزين من مراكز احتجاز في شمال شرق سوريا إلى العراق. لا يمكن فهم هذا التطور باعتباره إجراءً لوجستيًا أو إعادة ترتيب تقني لمنظومات الاحتجاز، بل يتطلب مقاربة تحليلية أوسع تستند إلى أدبيات إدارة التهديدات العابرة للحدود وإشكالية إعادة توزيع الأعباء الأمنية.

 

فعلى مدى سنوات، مثّل احتجاز عناصر التنظيم في شمال شرق سوريا نموذجًا لما يمكن توصيفه بـ"تدويل الاحتواء"، حيث جرى إبقاء التهديد في فضاء جغرافي هامشي نسبيًا، مع توزيع غير متكافئ للأعباء بين فاعلين محليين ودوليين. غير أن نقل المعتقلين إلى العراق أعاد توطين العبء داخل دولة ذات سيادة، ناقلًا الملف من سياق "إخراج التهديد أمنيًا" إلى سياق "استبطانه داخليًا"، بما يحوّل الدولة المستقبِلة إلى الحامل المركزي لكلفة الاحتواء طويلة الأمد.

 

وقد مثّل الاتفاق الثلاثي المعلن مطلع فبراير 2026 بين الولايات المتحدة والعراق والإدارة المحلية في شمال شرق سوريا نقطة انعطاف في هذا المسار، إذ أسّس لإطار تنسيقي مؤسسي أعاد تعريف المسؤولية القانونية والسياسية عن إدارة الإرث البشري للتنظيم. إلا أن هذا الإطار، من منظور نظري، لا يعكس فقط تقاسمًا منظمًا للمسؤوليات، بل يمكن قراءته بوصفه عملية إعادة تموضع للعبء الأمني من بيئة نزاع غير مكتملة السيادة إلى دولة تسعى إلى تثبيت استقرارها الداخلي.

 

في هذا السياق، تبرز مقاربة "الجيوسياسة السجنية" بوصفها أداة تحليلية لفهم كيف تتحول أماكن الاحتجاز إلى فضاءات لإدارة الصراع وإعادة إنتاجه في آن واحد. فالسجن، في حالات التنظيمات العابرة للحدود، لا يمثل فقط أداة احتواء، بل قد يصبح بنية وسيطة لإعادة تشكل الشبكات الأيديولوجية والاجتماعية. ومن ثم، فإن نقل المعتقلين لا يعني بالضرورة تقليص التهديد، بل قد يعيد إنتاجه في صيغة مؤسساتية كامنة داخل بنية الدولة.

 

تنطلق هذه الدراسة من فرضية مفادها أن ما جرى بين يناير وفبراير 2026 لا يمثل نهاية لمرحلة إدارة إرث التنظيم في سوريا، بل انتقالًا إلى مرحلة جديدة يُعاد فيها تشكيل طبيعة التهديد داخل العراق بما يختلف عن طابعه الميداني السابق. وعليه، تسعى الدراسة إلى تحليل هذا التحول من خلال ثلاثة مستويات: إعادة توزيع الأعباء الأمنية إقليميًا، وتحولات السيادة في إدارة ملفات الاحتجاز، وتداعيات استبطان التهديد داخل البنية العراقية.

 

أولاً: الإطار المنهجي

تعتمد هذه الدراسة على مقاربة تحليلية نوعية وتستند إلى منهج تحليل السياسات الأمنية في سياق التهديدات العابرة للحدود. وتوظّف الدراسة إطارًا تفسيريًا يجمع بين أدبيات إعادة توزيع الأعباء الأمنية والجيوسياسة السجنية لفحص كيفية انتقال ملف معتقلي تنظيم "داعش" من بيئة احتجاز شبه لامركزية في شمال شرق سوريا إلى إطار سيادي عراقي أكثر تمركزًا (Krahmann، 2005). ويجري تحليل هذا التحول بوصفه عملية إعادة تموضع للتهديد داخل بنية دولة قائمة، مع التركيز على الأبعاد المؤسسية والقانونية والأمنية المصاحبة لمرحلة ما بعد النقل (Byman، 2015).

 

وترتكز الدراسة على تحليل محتوى البيانات الرسمية الصادرة عن الحكومتين العراقية والأمريكية، والتقارير الدولية ذات الصلة، إضافة إلى متابعة التطورات الميدانية والإعلامية خلال الفترة من 25 يناير إلى 21 فبراير 2026. كما تعتمد على القراءة المقارنة بين أنماط إدارة ملف الاحتجاز في شمال شرق سوريا ونظيره في العراق، بهدف استكشاف التحولات في طبيعة العبء الأمني، ومدى انتقاله من كونه تهديدًا ميدانيًا مباشرًا إلى كلفة هيكلية ممتدة داخل الدولة العراقية.

 

ثانيًا: من احتواء عابر للسيادة إلى استبطان العبء الأمني داخل الدولة

قبل 25 يناير 2026، كان ملف معتقلي تنظيم "داعش" يُدار بوصفه إشكالية احتجاز عابرة للسيادة، تتحمل فيها الإدارة المحلية في شمال شرق سوريا العبء المباشر، بدعم تقني وأمني أمريكي محدود. وقد عكس هذا النموذج نمطًا من "الاحتواء بالوكالة"، حيث جرى تثبيت الإرث البشري للتنظيم داخل فضاء جغرافي-سياسي منخفض السيادة، بما يحدّ من الانكشاف القانوني والسياسي للقوى الدولية المنخرطة في إدارة مرحلة ما بعد التنظيم. وفي هذا السياق، ظل العراق طرفًا متأثرًا بالملف، لكنه لم يكن الحامل المركزي لكلفته المؤسسية طويلة الأمد (International-Crisis-Group، 2023).

 

غير أن نقل دفعات من المحتجزين إلى العراق، وتكريسه عبر الاتفاق الثلاثي المعلن في فبراير 2026 بين الولايات المتحدة والعراق والإدارة المحلية في شمال شرق سوريا، مثّل نقطة تحول بنيوية في إدارة الملف. إذ لم يقتصر الاتفاق على تنظيم عملية النقل، بل أرسى إطارًا مؤسسيًا أعاد تعريف المسؤولية القانونية والسياسية، محولًا العراق إلى الدولة المركزية في إدارة الإرث البشري للتنظيم، ومُجسّدًا عملية "نقل عبء مُقنّن" من فاعل شبه دولي إلى دولة ذات سيادة (U.S.-Department-of-State، 2026). وبذلك، انتقل الملف من هامش جغرافي-سياسي إلى صلب البنية السيادية العراقية، بما يعني استبطان التهديد داخل مؤسسات الدولة وتحمل كلفته الأمنية والقانونية والاجتماعية على المدى الطويل.

 

وأعلنت وزارة العدل العراقية مؤخرًا أن عدد معتقلي تنظيم داعش الذين تم نقلهم من سوريا إلى مرافق احتجاز في العراق بلغ حوالي 5,703 أشخاص، ينتمون إلى 61 دولة، بينهم 3,543 سوريًا و467 عراقيًا والبقية من جنسيات مختلفة، وهو رقم يعكس انتقالًا كميًا ونوعيًا في حجم العبء المؤسسي الواقع على الدولة العراقية (الشرق، 14-2-2026).

 

وقد ترتب على هذا التحول إعادة رسم خريطة توزيع الأعباء الأمنية إقليميًا، في انسجام مع ما تشير إليه أدبيات الحوكمة الأمنية بشأن ميل القوى الدولية إلى تقليص انخراطها المباشر وإعادة توزيع المسؤوليات على الفاعلين المحليين الأكثر اتصالًا جغرافيًا بالصراع. وفي الحالة العراقية، تجلّى ذلك في انتقال عبء التمويل والتأمين طويل الأمد، وإعادة توزيع المخاطر داخل السجون العراقية، وإعادة طرح مسألة الاختصاص القضائي الوطني، فضلًا عن تصاعد الضغوط المجتمعية في المحافظات المستقبِلة. ومن ثم، لم يعد التحدي متعلقًا بملاحقة خلايا نشطة عابرة للحدود، بل بإدارة كتلة بشرية مؤدلجة داخل منظومة دولة تعاني أصلًا من هشاشة أمنية نسبية، ما يحوّل الملف من قضية احتجاز عابر للحدود إلى عبء سيادي ممتد يعيد تعريف موقع العراق في معادلة إدارة التهديد الإقليمي (Congressional-Research-Service، 2026).

 

ثالثًا: تحولات السيادة وإدارة الإرث القانوني للتنظيم

ينطوي نقل المعتقلين على أبعاد سيادية عميقة، إذ لم يعد الملف يتعلق بإدارة احتجاز في منطقة نزاع غير مكتملة السيادة، بل أصبح جزءًا من منظومة القضاء والأمن الوطني العراقي. ويضع ذلك بغداد أمام تحديات قانونية تتعلق بآليات المحاكمة والإثبات وتصنيف الانتماء التنظيمي، خاصة في ظل التباين بين الأطر القانونية العراقية والنظم المعمول بها في شمال شرق سوريا (International-Crisis-Group، Managing ISIS detainees: Iraq’s expanding security burden، 2026).

 

كما يكرّس هذا التطور تحولًا في مفهوم السيادة من مجرد بسط السيطرة على الإقليم، إلى القدرة على استيعاب التهديدات العابرة للحدود ومعالجتها ضمن مؤسسات الدولة الرسمية. وفي هذا السياق، تشير تقارير أممية إلى أن منظومة العدالة الانتقالية في العراق لا تزال تواجه اختناقات بنيوية وضغوطًا مؤسسية، الأمر الذي يزيد من تعقيد دمج هذا العدد من المعتقلين داخل جهاز قضائي يعاني من الاكتظاظ والتحديات الإجرائية (UNAMI، 2026).

 

رابعًا: الجيوسياسة السجنية وإعادة إنتاج التهديد

تُبرز مقاربة "الجيوسياسة السجنية" أن مؤسسات الاحتجاز لا تُعد فضاءات محايدة أو معزولة عن السياق السياسي والأيديولوجي، بل يمكن أن تتحول إلى بيئات حاضنة لإعادة تشكل الشبكات التنظيمية وإحياء الروابط الفكرية. ففي تجارب التنظيمات الجهادية، كثيرًا ما لعبت السجون دورًا في إعادة التجميع وبناء التماسك الداخلي، خاصة حين تغيب برامج التفكيك الأيديولوجي والمراجعات الفكرية الفعّالة (Mountz، 2011).

 

وفي السياق العراقي، تتعاظم المخاوف من أن يسهم الاكتظاظ وضعف سياسات التأهيل وإعادة الإدماج في خلق بيئة مواتية لإعادة نسج العلاقات التنظيمية داخل السجون. وعليه، فإن نقل التهديد إلى داخل البنية المؤسسية لا يعني بالضرورة تحييده؛ بل قد يؤدي إلى إعادة إنتاجه في صورة كامنة وأكثر تعقيدًا، بما يصعّب رصده والتعامل معه أمنيًا على المدى المتوسط والبعيد (Human-Rights-Watch، 2026).

 

خامسًا: من إعادة التوطين الداخلي إلى عبء أمني-مؤسسي عابر للحدود

لا يمثل نقل معتقلي تنظيم الدولة الإسلامية إلى العراق نهاية لمسار إدارة التهديد، بل بداية لمرحلة أكثر تعقيدًا تتداخل فيها الأبعاد الأمنية والاجتماعية والسيادية. فعملية النقل، بوصفها خطوة أولى، تضع الدولة العراقية أمام تحدي إعادة التوطين داخل السجون ومراكز الاحتجاز المؤقتة، ثم لاحقًا إدارة ملفات العائلات والنساء والأطفال المرتبطين بالتنظيم، بما يحوّل الملف من تهديد عسكري مباشر إلى عبء مؤسسي طويل الأمد (UNSC، 2026).

 

على المستوى الداخلي، يفرض هذا التحول ضغطًا إضافيًا على البنية السجنية العراقية التي تعاني من الاكتظاظ وضعف البنية التأهيلية، الأمر الذي يرفع احتمالية إعادة تشكيل شبكات التطرف داخل أماكن الاحتجاز، بحيث يتحول السجن من أداة احتواء إلى فضاء لإعادة إنتاج التنظيم فكريًا وتنظيميًا (Human-Rights-Watch، 2026). كما أن إعادة توزيع المعتقلين داخل محافظات بعينها قد تُعيد تنشيط روابط اجتماعية سابقة، لا سيما في المناطق التي كانت حاضنة جزئيًا للتنظيم، بما يزيد من مخاطر إعادة التجنيد، وتشكل خلايا دعم لوجستي، وتصاعد التوترات المجتمعية.

 

ولا يقتصر الأمر على البعد الأمني الصلب، إذ إن وجود آلاف المرتبطين بالتنظيم يعيد فتح ملفات مرحلة ما بعد 2014-2017، ويضع سردية "التحرير" أمام اختبار جديد، في ظل جدل مجتمعي حول العدالة والمساءلة والمصالحة. وهنا يتبلور التحول من خطر ميداني إلى عبء اجتماعي-سياسي ممتد قد يؤثر في تماسك الدولة على المدى المتوسط (UNAMI، 2026).

 

في الوقت ذاته، يحتفظ هذا العبء بطابع عابر للحدود، إذ إن نقل المعتقلين لا يعني قطع شبكاتهم الاستخباراتية أو التنظيمية الممتدة خارج العراق. فانتقالهم يصاحبه انتقال ملفات معلومات وروابط عابرة للجغرافيا، ما يفرض على بغداد تعزيز التنسيق الاستخباراتي مع سوريا والولايات المتحدة ودول أخرى معنية. كما أن تحمّل العراق للعبء الأكبر قد يُوظف داخليًا في الخطاب السياسي، خصوصًا في ظل التنافس بين القوى حول طبيعة العلاقة مع واشنطن، بما يحول الملف الأمني إلى أداة تجاذب سياسي داخلي (UNSC، 2026).

 

وعلى المستوى الاستراتيجي، فإن إخفاق الإدارة طويلة الأمد لهذا الملف قد يؤدي إلى تكريس العراق كمركز احتجاز إقليمي غير معلن لإرث التنظيم، وهو ما يعيد تموضعه في قلب معادلة مكافحة الإرهاب إقليميًا، ليس بوصفه ساحة عمليات، بل بوصفه حاضنة مؤسسية لإدارة الإرث البشري لتنظيم عابر للحدود. ومن ثم، فإن إعادة التوطين الداخلي لا تمثل مجرد إجراء تنظيمي، بل لحظة تحول تعيد تعريف طبيعة التهديد ذاته: من خطر عسكري مباشر إلى عبء سيادي ممتد تتقاطع فيه اعتبارات الأمن الداخلي مع ديناميات الإقليم (International-Crisis-Group، Managing ISIS detainees: Iraq’s expanding security burden، 2026).

 

سادسًا: سيناريوهات التطور حتى منتصف 2026

 

السيناريو الأول: الاحتواء المؤسسي المنضبط

يفترض هذا السيناريو أن ما جرى بين أواخر يناير و20 فبراير 2026 يمثل بداية مسار احتواء مؤسسي منظم، لا مجرد نقل ظرفي للعبء الأمني. فإطلاق عمليات النقل تدريجيًا منذ 21 يناير، ثم تأطيرها رسميًا عبر الاتفاق الثلاثي المعلن في فبراير بين العراق والولايات المتحدة والإدارة المحلية في شمال شرق سوريا، يشير إلى انتقال الملف من ترتيبات انتقالية إلى آلية تنسيق أكثر استقرارًا (U.S.-Department-of-State، 2026). وفي هذا السياق، يصبح الاتفاق منصة لإعادة دمج المعتقلين ضمن المنظومة القضائية العراقية، وتعزيز أنظمة التوثيق وتبادل المعلومات الاستخباراتية، بما يعيد تثبيت الاختصاص السيادي لبغداد في إدارة الإرث البشري للتنظيم.

 

يتطلب تحقق هذا السيناريو اقتران النقل بتحسين شروط الاحتجاز، وتقليص الاكتظاظ، وتطوير برامج محدودة لإعادة التأهيل وإعادة الإدماج الانتقائي، بما يمنع تحول السجون إلى بيئة لإعادة إنتاج التطرف. وتشير تقارير مجلس الأمن إلى أن تطوير بيئة الاحتجاز وتوسيع برامج التأهيل يقللان من مخاطر إعادة التشكل التنظيمي داخل أماكن الاحتجاز. وعليه، فإن نجاح هذا المسار يحول العبء من مصدر هشاشة محتملة إلى أداة لتعزيز احتكار الدولة لاستخدام القوة وتنظيم المجال الأمني داخليًا، مع الحفاظ على قدر من الدعم الدولي التقني دون ارتهان كامل له (UNSC، 2026).

 

السيناريو الثاني: إعادة إنتاج التطرف داخل البنية المؤسسية

يفترض هذا السيناريو أن نقل المعتقلين، رغم انتظامه النسبي حتى 20 فبراير 2026، قد يؤدي إلى إعادة تموضع التهديد داخل البنية السجنية العراقية بدل احتوائه. فالاكتظاظ القائم، وضعف البنية التأهيلية، والضغط المفاجئ الناتج عن استيعاب أعداد إضافية، قد يخلق بيئة تسمح بإعادة تشكل شبكات تنظيمية داخل السجون، بما يحول الاحتجاز من أداة ضبط إلى فضاء لإعادة التنسيق الأيديولوجي (Human-Rights-Watch، 2026).

 

وفي هذه الحالة، لا يظهر التهديد في صورة عمليات ميدانية فورية، بل في شكل تراكم تنظيمي صامت قد يمتد أثره إلى الخارج عبر شبكات عائلية ومحلية، خاصة في المحافظات التي شهدت حضورًا سابقًا للتنظيم. كما أن أي قصور في آليات الفرز أو المحاكمة أو برامج إعادة التأهيل قد يعمّق الانقسام المجتمعي ويضعف الثقة في مؤسسات العدالة، بما يحول العبء المؤسسي إلى مصدر هشاشة أمنية طويلة الأمد.

 

السيناريو الثالث: تدويل العبء وإعادة تموضع العراق إقليميًا

يفترض هذا السيناريو أن استمرار عمليات النقل واتساع نطاقها قد يدفع العراق إلى المطالبة بإطار دولي أوسع لتقاسم الأعباء، خاصة إذا تجاوزت الكلفة المؤسسية قدرته الاستيعابية. فمع تحمّل بغداد المسؤولية القانونية والأمنية الكاملة عن آلاف المعتقلين، قد يتعزز الاتجاه نحو تدويل جزئي للملف عبر آليات دعم أممية أو ترتيبات متعددة الأطراف، استنادًا إلى الطابع العابر للحدود للتهديد (UNSC، 2026).

 

وفي حال عدم تطوير آلية دولية واضحة لتقاسم الكلفة، قد يتحول العراق تدريجيًا إلى مركز احتجاز إقليمي غير معلن لإرث التنظيم، بما يعيد تموضعه في قلب معادلة مكافحة الإرهاب إقليميًا. وهنا لا يصبح التحدي أمنيًا داخليًا فحسب، بل مرتبطًا بصورة العراق ودوره الإقليمي، وما إذا كان سينجح في إدارة الملف بوصفه تعبيرًا عن استعادة السيادة، أم سيجد نفسه حاملًا لعبء يتجاوز قدرته المؤسسية ويعيد إنتاج الاعتماد على الخارج.

 

وفي ضوء المعطيات المتاحة حتى 20 فبراير 2026، يبدو أن مسار الاحتواء المؤسسي المنضبط يظل قائمًا، وإن كان محفوفًا باختبارات تتعلق بالقدرة المؤسسية والاستدامة السياسية.

 

خاتمة

تكشف التطورات التي شهدتها الفترة بين أواخر يناير ومنتصف فبراير 2026 أن نقل معتقلي تنظيم الدولة الإسلامية من شمال شرق سوريا إلى العراق لم يكن مجرد خطوة إجرائية في إدارة ملف أمني معقد، بل لحظة تحول بنيوية في هندسة إدارة التهديد الإقليمي. فقد انتقل الملف من نموذج "الاحتواء العابر للسيادة" إلى نموذج "استبطان العبء داخل الدولة"، بما جعل العراق الحامل المركزي للكلفة المؤسسية والقانونية والاجتماعية لإرث التنظيم. وبهذا المعنى، لم يعد التحدي محصورًا في منع عودة التنظيم ميدانيًا، بل أصبح متعلقًا بكيفية إدارة كتلة بشرية مؤدلجة داخل بنية دولة تسعى إلى تثبيت استقرارها وإعادة ترسيخ سيادتها.

 

وقد أظهر التحليل أن هذا التحول ينطوي على أبعاد متشابكة: إعادة توزيع الأعباء الأمنية إقليميًا، وتحولات في مفهوم السيادة واختصاص القضاء الوطني، ومخاطر كامنة في الجيوسياسة السجنية وإعادة إنتاج التهديد داخل المؤسسات. كما أن الطابع العابر للحدود للملف لم يتلاشَ بنقل المعتقلين، بل أعيد تموضعه داخل العراق، بما يفرض استمرار التنسيق الاستخباراتي والسياسي مع أطراف إقليمية ودولية. ومن ثم، فإن مستقبل هذا الملف حتى منتصف 2026 سيتوقف على قدرة الدولة العراقية على تحويل النقل من عبء محتمل إلى مسار احتواء مؤسسي منضبط، يمنع إعادة التشكل التنظيمي ويعزز احتكار الدولة لاستخدام القوة، دون الانزلاق إلى تكريس العراق كمركز احتجاز دائم لإرث تنظيمي عابر للحدود.

 

وبذلك، فإن إدارة هذا الملف تمثل اختبارًا مزدوجًا: اختبارًا لقدرة الدولة على استيعاب تهديد مركب داخل مؤسساتها، واختبارًا لإمكانية إعادة تعريف موقع العراق في معادلة الأمن الإقليمي، لا بوصفه ساحة صراع، بل بوصفه فاعلًا سياديًا قادرًا على إدارة تداعيات ما بعد التنظيم بكلفة محسوبة واستراتيجية واضحة.

د. هند خيري

دكتوراة علوم سياسية - باحث مصري

 

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء