رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

جنيف على صفيح ساخن.. مفاوضات نووية تحت ضغط أمريكي| تقرير

المبعوث الأمريكي
المبعوث الأمريكي ستيف ويتكوف ووزير خارجية إيران

تستضيف مدينة جنيف السويسرية، جولة ثالثة من المحادثات غير المباشرة بين إيران والولايات المتحدة، في لحظة شديدة الحساسية تتقاطع فيها الدبلوماسية مع استعراض القوة العسكرية. 

هذه الجولة لا تأتي في سياق عادي، بل في ظل تصاعد حدة التهديدات وتكاثر المؤشرات التي تجعل المنطقة تقف على حافة احتمالات مفتوحة، تتراوح بين تسوية سياسية شاملة أو انزلاق نحو مواجهة واسعة، وفقًا لوكالة "فرانس برس".

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي والوفد المفاوض في مسقط
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي والوفد المفاوض في مسقط

مفاوضات تدار تحت ضغط الوقت

منذ يناير الماضي، يبعث الطرفان برسائل مزدوجة؛ فهما يعلنان الاستعداد للحوار، لكنهما في الوقت نفسه يلوحان بخيارات عسكرية. هذا التناقض يعكس طبيعة المرحلة: مفاوضات تدار تحت ضغط الوقت، وتحت ظلال حشود عسكرية أمريكية متزايدة في المنطقة.

 

أكد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في خطاب "حال الاتحاد" أمام الكونجرس أنه يفضل الحلول الدبلوماسية، إلا أنه لم يخف قلقه من استمرار طهران في تطوير برنامجها النووي، واصفا طموحاتها بأنها "شريرة". 

وأشار إلى أن المفاوضات جارية، وأن إيران تبدي رغبة في التوصل إلى اتفاق، غير أنه شدد على أن بلاده لم تتلق بعد تعهد صريح بعدم السعي لامتلاك سلاح نووي.

 

صورايخ إيرانية
صورايخ إيرانية

طهران طورت صواريخ قادرة على تهديد أوروبا

ولم يتوقف الخطاب الأمريكي عند الملف النووي فقط، بل امتد إلى البرنامج الصاروخي الإيراني. فواشنطن ترى أن طهران طورت صواريخ قادرة على تهديد أوروبا والقواعد الأمريكية في الخارج، بل وتعمل على تطوير قدرات قد تمكنها مستقبلاً من الوصول إلى الأراضي الأمريكية.

في المقابل، سارعت طهران إلى رفض هذه الاتهامات. فقد وصف المتحدث باسم الخارجية الإيرانية، إسماعيل بقائي، تلك التصريحات بأنها "أكاذيب كبرى".

 وتؤكد إيران امتلاكها ترسانة صاروخية محلية الصنع، من بينها صاروخ "شهاب-3" بمدى يصل إلى ألفي كيلومتر، ما يتيح له بلوغ إسرائيل وأجزاء من أوروبا الشرقية. إلا أن تقديرات خدمة أبحاث الكونجرس الأمريكي تشير إلى أن أقصى مدى لهذه الصواريخ يبلغ نحو ثلاثة آلاف كيلومتر، وهو أقل بكثير من المسافة الفاصلة بينها وبين الولايات المتحدة.

ترامب وخامنئي
ترامب وخامنئي

طهران تسعى لامتلاك قنبلة نووية

جوهر الخلاف يظل متمحور حول طبيعة البرنامج النووي الإيراني. فالدول الغربية تشتبه في أن طهران تسعى لامتلاك قنبلة نووية، بينما تؤكد إيران أن برنامجها ذو طابع سلمي بحت، وأن من حقها تطوير الطاقة النووية لأغراض مدنية بموجب معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية التي تعد من الدول الموقعة عليها.

منشآت ايران النووية
منشآت ايران النووية

دعم طهران لجماعات مسلحة مناهضة لإسرائيل

الإدارة الأمريكية لا تريد الاكتفاء بالشق النووي، بل تسعى إلى إدراج برنامج الصواريخ البالستية ودعم طهران لجماعات مسلحة مناهضة لإسرائيل ضمن أي اتفاق محتمل. وزير الخارجية الأمريكي شدد عشية المحادثات على ضرورة أن يشمل التفاوض البرنامج الصاروخي، معتبرًا أن رفض إيران مناقشته يمثل "مشكلة كبيرة جدًا"، مع التأكيد في الوقت نفسه أن الرئيس لا يزال يفضل المسار الدبلوماسي.

أما طهران، فترى أن توسيع جدول الأعمال محاولة للضغط عليها، وتصر على حصر التفاوض في الملف النووي، مشترطة رفع العقوبات الاقتصادية التي أثقلت كاهل اقتصادها كمدخل أساسي لأي اتفاق.

حاملة الطائرات الأمريكية جيرالد فورد
حاملة الطائرات الأمريكية جيرالد فورد

تدفع بثقل سياسي واضح في هذه الجولة

في هذا السياق، وصل وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي إلى جنيف، حيث التقى نظيره العُماني بدر البوسعيدي، في إطار مشاورات تمهيدية. وكان عراقجي قد صرّح بأن "الاتفاق في متناول اليد"، متحدثا عن "فرصة تاريخية". 

من جانبه، أعرب الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان عن تفاؤله بإمكانية تجاوز حالة "اللاحرب واللاسلم" التي تخيم على العلاقة بين البلدين.

الوفد الأمريكي يضم المبعوث الخاص ستيف ويتكوف، إلى جانب جاريد كوشنر، في مؤشر على أن الإدارة الأمريكية تدفع بثقل سياسي واضح في هذه الجولة.

مفاوضات إيران والولايات المتحدة في جنيف
مفاوضات إيران والولايات المتحدة في جنيف

وقع توترات متصاعدة

المحادثات الحالية تأتي بعد تعثر سابق أعقب حربا استمرت 12 يوما في يونيو، حين شنت إسرائيل هجومًا على مواقع إيرانية، وشاركت الولايات المتحدة بقصف منشآت نووية. 

ومنذ ذلك الحين، تعيش المنطقة على وقع توترات متصاعدة، زادها تعقيدا القمع العنيف لاحتجاجات داخل إيران، وما تبعه من تصريحات أمريكية اعتبرت دعمًا للشعب الإيراني.

 توجيه ضربة لإيران

المحلل إميل حكيم من "المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية" في لندن أشار إلى أن دول عدة في الشرق الأوسط سعت مطلع العام إلى ثني واشنطن عن توجيه ضربة لإيران، إلا أن المخاوف ما زالت قائمة، خصوصًا مع الاعتقاد بأن أي حرب جديدة قد تكون أوسع نطاق وأكثر تدميرا مما حدث سابقا.

بدوره، حذر أستاذ النظرية السياسية محمد أبو رمان من أن أي مواجهة عسكرية قد تفتح الباب أمام "حمام دم إقليمي واسع"، مؤكدًا أن المسألة تتجاوز مجرد تقليص القدرات النووية أو الإقليمية لإيران، وتمتد إلى إعادة تشكيل موازين القوى في المنطقة بأسرها. ويرى أن سقوط النظام الإيراني لا يعني بالضرورة انتقالًا سلسًا إلى نظام مستقر، بل قد يقود إلى فراغ سياسي خطير.

صاروخ إيراني خلال عرض عسكري بطهران
صاروخ إيراني خلال عرض عسكري بطهران

نفوذ إيران الإقليمي تراجع في السنوات الأخير

وأشار أبو رمان إلى أن نفوذ إيران الإقليمي تراجع في السنوات الأخيرة، وأن قدرتها على التأثير تقلصت، لكنه حذر في الوقت نفسه من أن استهداف المرشد الأعلى علي خامنئي قد يشكل خط أحمر يغير قواعد الاشتباك.

 كما لفت إلى أن حسابات الحرب لا ترتبط فقط بالمصالح الأمريكية المباشرة، بل تتقاطع أيضًا مع اعتبارات إسرائيلية تدفع نحو تشديد الضغط على طهران.

وتبدو جنيف اليوم ساحة اختبار حقيقية لإرادة الطرفين. فإما أن تفضي المحادثات إلى اتفاق يخفف الاحتقان ويعيد رسم قواعد الاشتباك السياسي، أو أن تتبدد الفرصة التاريخية التي يتحدث عنها البعض، لتدخل المنطقة مرحلة جديدة من التصعيد لا يمكن التكهن بنتائجها.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء