حرب الهواتف في المدارس.. صدام الرقمنة والانضباط تحت قبة البرلمان
في لحظة فارقة تتقاطع فيها رهانات التحول الرقمي مع هواجس الانضباط المدرسي، اشتعل الجدل حول مصير الهاتف المحمول داخل المدارس المصرية، ليتحول من مجرد أداة في يد الطالب إلى قضية رأي عام تتصدر طاولة البرلمان وتشعل سجالًا واسعًا بين خبراء التربية وصناع القرار.
بين دعوات الحظر الكامل بدعوى حماية الطلاب من التشتيت والمخاطر الرقمية، وأصوات أكاديمية ترى في المنع تبسيطًا مخلًا لأزمة أعمق، تبدو المعركة أبعد من جهاز يصادر عند البوابة، وأعمق من قرار تنظيمي يُكتب في لائحة مدرسية.
مقارنة الخارج بمصر.. قياس على غير أساس
في قلب الجدل، أعرب الدكتور محمد عبدالعزيز، أستاذ العلوم والتربية بـجامعة عين شمس، عن استيائه من مقترحات حظر الهواتف، وعلى رأسها ما طرحه ضياء رشوان، معتبرًا أن استنساخ تجارب غربية دون قراءة دقيقة للواقع المصري يمثل اختزالًا لقضية مركبة.
وأوضح أن المدرسة في العديد من الدول الأوروبية تعمل بكفاءة شبه كاملة، وتوفر بيئة تعليمية منضبطة وآمنة، بينما تعاني بعض المدارس في مصر، خاصة في القرى والنجوع بل وحتى داخل القاهرة، من تحديات إدارية وتعليمية وبنيوية.
ومن ثم، فإن مقارنة نسب الانضباط أو الغياب بين النظامين، دون النظر إلى اختلاف الإمكانات والبنية التحتية، تمثل – بحسب وصفه – قياسًا غير عادل.
“لب المشكلة” أبعد من الهاتف
ويرى عبدالعزيز في تصريحات لـ "إيجبتك" أن الانشغال بالهاتف المحمول بوصفه الأزمة الأساسية يبعد النقاش عن جوهر الخلل الحقيقي، المتمثل في تطوير المناهج، وتحديث أساليب التدريس، ورفع كفاءة المدارس.
وأكد أن التركيز على أداة تقنية بعينها يمنح انطباعًا زائفًا بأن المشكلة يمكن حلها بقرار إداري، بينما القضية – في تقديره – تتطلب إصلاحًا هيكليًا شاملًا يمس المحتوى التعليمي وآليات التقييم والبيئة المدرسية ذاتها.
مناهج رقمية.. فأين البدائل؟
تتضاعف المفارقة حين نضع في الاعتبار أن المناهج الحالية تعتمد بصورة متزايدة على التكنولوجيا، وأن آلاف الطلاب يستخدمون هواتفهم لحل الواجبات، ومتابعة الشروحات، والدخول إلى المنصات التعليمية.
ويتساءل عبدالعزيز: إذا تقرر الحظر الكامل، فهل المدارس مجهزة فعلًا ببدائل تكنولوجية حقيقية؟ وهل هناك بنية رقمية قادرة على سد الفجوة التي سيتركها الهاتف؟ أم أن القرار قد يخلق فجوة رقمية جديدة بين الطلاب؟
غرف تسليم الهواتف.. حل نظري أم عبء إداري؟
وسخر أستاذ التربية من مقترح تخصيص غرف لتسليم الهواتف عند دخول المدرسة واستلامها عند الانصراف، مؤكدًا أن تطبيق هذا التصور مع آلاف الطلاب يوميًا يفتح الباب أمام التكدس والفوضى وتحميل الإدارات المدرسية أعباء تنظيمية معقدة.
وشدد على أن أي قرار تنظيمي يجب أن يراعي القدرة الفعلية على التنفيذ، لا أن يبقى مجرد نص طموح يصعب تطبيقه على أرض الواقع.
الهاتف كوسيلة أمان
ولم يغفل عبدالعزيز بعدًا اجتماعيًا مهمًا، إذ اعتبر أن الهاتف المحمول يمثل وسيلة أمان وتواصل ضرورية بين الطالب وولي أمره، خاصة في ظل غياب منظومة أمان متكاملة في بعض المدارس.
وأوضح أن الأسرة تحتاج إلى الاطمئنان على أبنائها في حالات الطوارئ أو التأخر، وهو عنصر تضمنه المدارس في الخارج بدرجة أكبر مما هو متاح محليًا، ما يجعل الحظر الكامل قرارًا حساسًا اجتماعيًا.
25 مليون طالب.. تحدي التنفيذ
من جانبه، أكد الدكتور تامر شوقي، الخبير التربوي، أن الدعوات إلى الحظر – رغم وجاهتها من حيث السعي إلى تحقيق الانضباط – تصطدم بتحديات واقعية تجعل تطبيقها الكامل شديد التعقيد.
وأشار إلى أن عدد طلاب التعليم قبل الجامعي يقترب من 25 مليون طالب، ما يطرح سؤالًا عمليًا: كيف يمكن مراقبة هذا العدد الضخم داخل آلاف المدارس بإمكانات محدودة؟
وأضاف أن عجز المعلمين يزيد العبء، إذ سيُحمَّلون مسؤولية إضافية لمراقبة ومنع الاستخدام، بما قد يؤثر على دورهم التعليمي الأساسي.
مخاوف أولياء الأمور وازدواجية المعايير
ولفت شوقي إلى أن كثيرًا من أولياء الأمور يعترضون على الحظر الكامل، نظرًا لحاجتهم إلى التواصل مع أبنائهم خلال اليوم الدراسي أو بعد انتهائه.
كما حذر من أن منع الطلاب من استخدام الهواتف في الوقت الذي يستخدمها فيه بعض المعلمين قد يخلق شعورًا بازدواجية المعايير، ما يضعف تقبل القرار ويدفع بعض الطلاب إلى التحايل وإخفاء الأجهزة.
وأكد أن التناقض يبدو واضحًا بين الدعوة إلى المنع المطلق، وبين توجه الدولة نحو التوسع في التعليم الرقمي وإدخال البرمجة والذكاء الاصطناعي في المناهج.
الهاتف.. كاميرا كشفت الخلل
أما الدكتور عاصم حجازي، أستاذ علم النفس التربوي بكلية الدراسات العليا للتربية بـجامعة القاهرة، فرأى أن الحديث عن الهواتف جرى تضخيمه بصورة مبالغ فيها.
وأوضح أن المشكلة الحقيقية تتعلق بحالات الغش وتسريب الامتحانات داخل لجان الاختبارات، وهي وقائع محدودة، وليست ظاهرة يومية داخل الفصول.
وأضاف أن الهاتف لم يصنع الأزمات، بل كشف بعض التجاوزات وسلط الضوء على مشكلات قائمة بالفعل.
بين المنع والتقنين.. معركة وعي
في المقابل، دافع ضياء رشوان عن فكرة التنظيم، مؤكدًا أن مصر ليست بمعزل عن العالم، مستشهدًا بتجارب دول مثل فرنسا التي أقرت حظرًا في مراحل تعليمية مختلفة، إلى جانب توجهات مشابهة في أستراليا وألمانيا وإنجلترا.
وخلال اجتماع لجنة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات بـمجلس النواب المصري، أشار إلى أن الحظر مطبق في نحو 60 دولة، مطالبًا بتطبيقه في مصر ضمن مشروع متكامل تشارك فيه الوزارات المعنية، مع حملات توعوية شاملة.
معادلة صعبة
هكذا تتبلور المواجهة بين اتجاهين: اتجاه يرى في الهاتف أداة تعليمية يجب تقنينها وتوظيفها، وآخر يعتبر الحظر ضرورة لحماية الطلاب من التشتيت والمخاطر الرقمية.
وبين المنع المطلق والتنظيم الواعي، تبقى المعادلة الأصعب هي صناعة وعي رقمي متوازن، لا يهدر الحرية باسم الانضباط، ولا يفرّط في الانضباط باسم الحرية، فالقضية، في جوهرها، ليست هاتفًا يُصادر… بل مدرسة تبحث عن صيغة جديدة للتوازن في عصر لا يعترف بالعزلة عن التكنولوجيا.