قاموس الأفراح الشعبية.. لغة الفرح التي تحكمها النقطة والشوباش
* قرص الركبة ورش الملح .. وتوزيع السجاير لغة خاصة بالأفراح المصرية
* التقطة دين لا يسقط بالتقادم .. والزغرودة إعلان النصر
الأفراح الشعبية في مصر ليست مجرد ليلة غناء ورقص ، فهي عالم كامل له قواعده واصوله ، وله ترتيب معروف بين الناس وله ايضا كلمات خاصة لا يفهمها إلا من يعيش داخله ، في القرى والأحياء الشعبية، الفرح مناسبة كبرى فيه يظهر الفخر ، وتظهر المجاملة ، وأحيانا يظهر حب التباهي ، لكن خلف كل هذا يوجد نظام واضح ، هذا النظام يحكمه " الواجب " في المجتمعات الشعبية قد يختلف الجيران سنوات لكن في ليلة الفرح يقفون معا يساعدون صاحب المناسبة ، ويخدمون الضيوف ، و الفرح الشعبي ليس مجرد احتفال هو شبكة علاقات ، هو دفتر حسابات اجتماعي ، وهو صورة صادقة للمجتمع المصري بروحه البسيطة وحبه للفرح.
النقطة .. دين لا يسقط بالتقادم
" النقطة " هي المبلغ الذي يدفعه المدعوون لصاحب الفرح , و يسميها البعض " العيش والملح " و هي في الاصل ليست هدية ، وليست منحة بل دين مؤجل ، فما تدفعه اليوم في فرح غيرك ، سيرده لك غدا في فرحك ، لهذا السبب يوجد شخص يسمى " المُسجِّل " يجلس بدفتر وقلم يكتب اسم كل شخص والمبلغ الذي دفعه حتى يتم رد الواجب بدقة.
يتجلى هذا النظام في مدينة " كفر البطيخ " بمحافظة دمياط ، حيث يسير هذا النظام بدقة شديدة ، أهل المدينة يعتبرونه وسيلة دعم حقيقية أو نظام تكافل اجتماعي ، فالشاب الذي يريد الزواج يقيم فرحا ، وأهل البلد يساندونه بالنقطة ، كذلك الامر فمن يريد بدء مشروع يفعل الشيء نفسه.
لكن عدم رد النقطة أمر صعب، لأنه يضع صاحبه في موقف محرج ويتم تجريسه علنا عبر ميكروفونات تجوب شوارع المدينة ، و وتنتهى بمقاطعته اجتماعيا.
التحية أو "الشوباش "
في ليلة الفرح يمسك " النابطشي " الميكروفون وينادي بصوت عالي : تحية من أبو فلان لعريس الليلة ، هذه التحية إعلان رسمي بقيمة النقطة ، وهي نوع من رفع المكانة أمام الحضور.
أما " الشوباش " كلمة تعني الفرح والدعاء ، وتقال مع التصفيق والهتاف.
أحيانًا يدفع أحد الحضور مبلغا كبيرا فجأة ، و يسمى هذا في المفهوم الشعبي فتحة صدر " وهو نوع من التحدي أو طلب أغنية معينة.
النابطشي والزمار
النابطشي هو مدير الفرح ، ينظم الفقرات ويجمع النقطة ويشجع الناس على المشاركة اوتسخين الفرح بالنقوط ، قديما كان يسمى " نوبتجي " .
وكان معروفا بلسانه الحلو وقدرته على جذب النقطة بالكلمة الطيبة.
أما المزمار البلدي فهو روح الفرح ، خاصة في الصعيد والدلتا ، ويقال في المثل الشعبي " الزمار ما بيخبيش دقنه " لأن حركة فكه لابد أن تظهر أثناء العزف.
الزفة والحنة ورشح الملح
الزفة هي موكب العروسين ، ومن أشهرها الزفة الدمياطي التي تعتمد على الطبول القوية والبخور.
رش الملح
يتم رش الملح أو النقود فوق رأس العروسين والهدف هو طرد الحسد.
ليلة الحنة تسبق الفرح
ليلة الحنة هي ليلة خاصة لأهل البيت والجيران لها أغاني معروفة وأجواء مختلفة عن ليلة الزفاف.
قاموس المجاملة
لا يخلو الفرح من عبارات ثابتة " الفرح منور بصحابه " وهي جملة ترحيب تؤكد أن قيمة الفرح في وجود الناس.
البرنس
لقب يطلقه النابطشي على من يدفع مبلغا كبيرا ، فمنها تحيته ، ومنها استفزاز غيره لكي يحصل على اللقب
الصوان
الصوان هو الخيمة الكبيرة التي كانت تقام في الشارع واليوم أصبح الاسم يطلق على أي تجمع كبير، وقبل سنوات كانت معظم الأفراح الشعبية تقام إما في سرادقات "صوان " أو تقام فوق أسطح البيوت أو العمارات.
القاموس الحديث
مؤخرا دخلت كلمات جديدة إلى الأفراح مع ظهور الدي جي فمثلا يقال " السماعات بتدب " ، أي أن الصوت قوي ويهز المكان.
وظهرت أيضا ظواهر مثل استخدام الشماريخ أو الأسلحة في بعض المناطق الشعبية ، كما هي العادة قديما في أفراح الصعيد بإطلاق الأعيرة النارية كنوع من أنواع التحية لأهل الفرح، وإعلان قوة المدعو أو الضيف وكذلك تعبيرا عن أهمية أصحاب الفرح عند من يطلق الناس في الهواء.
عادات الحظ والحسد
قرصة الركبة و يقال في المثل الشعبي : "اقرصيها في ركبتها تحصليها في جمعتها " و البعض يعتقد أن لمس العروس يوم زفافها يجلب الحظ.
واختيار الركبة مرتبط بفكرة الحركة وبداية حياة جديدة.
عدم رؤية العريس لفستان العروسة
كثيرون يفضلون ألا يرى العريس الفستان قبل الفرح ، يقولون إن ذلك يمنع الحسد، ويحافظ على عنصر المفاجأة للعريس ليرى عروسته في أبهى صورها قبل الزفاف .
رمي بوكيه الورد
عادة رمي بوكيه الورد جاءت من الغرب وهي ليست عادة شرقية ، ومن تمسك بالورد تعتبر نفسها صاحبة الدور القادم في الزواج.
رش الملح
الملح في التراث الشعبي رمز للحماية ، يرش لطرد العين ، ويستخدم في طقوس بسيطة يراها الناس وسيلة للطمأنينة.
" فاضية ومشغولة" عبقرية التوصيف
" أم العروسة فاضية ومشغولة " هذا المثل ليس مجرد "إفيه" أو جملة مضحكة، بل هو توصيف دقيق لـ "الحالة السيكولوجية " لأم العروس في ليلة الزفاف:
أم العروس هي "المدير التنفيذي" للفرح هي مشغولة بـ مراقبة العشاء والمعازيم و التأكد من أن ابنتها في أبهى صورة متابعة "جهاز العروسة" ومن يدخل ومن يخرج أما لماذا فاضية ؟ فهي فاضية بالمعنى الرمزي ، أي أنها لا تمارس عملا محدداً (مثل الطبخ أو التنظيف في تلك اللحظة)، بل تكتفي بالترحاب والحركة "المجانية" يمينا ويسارا. هي موجودة في كل مكان ولا تفعل شيئاً ملموساً سوى التحيات ، يعبر المثل عن "التوتر اللذيذ" فهي من فرط فرحتها وتوترها تفقد القدرة على التركيز في مهمة واحدة، فتتحرك كالفراشة حول الضيوف دون إنجاز حقيقي، لأن عقلها مع ابنتها وقلبها مع البيت الذي سيخلو منها.
توزيع السجائر في الأفراح الشعبية
قد تبدو هذه العادة غريبة في عصرنا الحالي، لكن في "الحارة المصرية" والمناطق الشعبية، كان للسجائر وظيفة تتعدى التدخين ،فهي "عملة الوجاهة الاجتماعية " و بديل "النقوط" كما يدفع المعازيم "النقوط" للعروسين، يرى صاحب الفرح أن من واجبه إكرام الضيف بـ "أعز ما يملك" في تلك اللحظة. قديماً كان يتم توزيع "الدخان" (التبغ الخام)، ثم تطور إلى السجائر ، وهي ويلة إثبات "الكرم" و توزع السجائر (بالعلبة أو بالواحدة) هو إعلان صريح بأن صاحب الفرح "إيده فرطة" (كريم). ففي الوعي الشعبي، الشخص الذي يوزع السجائر هو شخص مقتدر لا يبخل على ضيوفه بشيء "كيفهم".
الزغرودة، أو "الزغروطة"
بلهجتنا المصرية، هي "نشيد النصر" الأنثوي في التراث الشعبي. هي ليست مجرد صوت عالي، بل هي طقس احتفالي ضارب في القدم، له دلالات نفسية وتاريخية مثيرة جداً.
ويعتقد بعض الباحثين أن الزغرودة تعود للعصور المصرية القديمة، حيث كانت النساء تطلق صيحات مشابهة في الطقوس الدينية والاحتفالات بفيضان النيل أو الانتصارات الحربية كنوع من "الابتهاج المقدس".
الدلالة هنا رمزية في الأفراح لإعلان "إتمام النصر":** الزغرودة هي الوسيلة الإعلامية الأولى قبل اختراع السوشيال ميديا هي تعلن للجيران والمارة أن "النصيب قد تم" وأن العقد قد اكتمل. هي إعلان انتصار للعروس وأهلها.
صينية العشا ومكوناتها وحكاية شوار العروسة والصباحية في الجزء الثاني