رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

يوم التأسيس السعودي.. جذور تمتد لثلاثة قرون ومسيرة وطن تتجدد|تقرير

الملك سلمان بن عبد
الملك سلمان بن عبد العزيز

في الثاني والعشرين من فبراير من كل عام، يقف السعوديون أمام صفحة مضيئة من تاريخهم، يستحضرون لحظة مفصلية تعود إلى عام 1727م، حين أسس الإمام محمد بن سعود الدولة السعودية الأولى واتخذ من الدرعية عاصمة لها، لتبدأ بذلك حكاية وطن امتدت جذوره عميقا في التاريخ، ورسخت حضوره السياسي والحضاري عبر ثلاثة قرون.

أصبح مناسبة وطنية رسمية

هذا اليوم لم يكن مجرد تاريخ يستعاد، بل أصبح مناسبة وطنية رسمية بأمر من خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز، الذي أقر 22 فبراير يومًا للتأسيس، تأكيدا على العمق التاريخي والثقافي للدولة السعودية، وعلى استمرارية كيانها منذ نشأتها الأولى وحتى عهدها الزاهر اليوم. 

وفي كل عام، يجد السعوديون في هذه المناسبة فرصة لتجديد الاعتزاز بماضيهم، واستحضار مسيرة دولة لم تولد فجأة، بل تشكلت عبر تراكمات تاريخية متعاقبة صنعت ملامحها ورسخت دعائمها.

وقد تلقت القيادة السعودية التهاني من قادة دول وشخصيات إقليمية ودولية، في مناسبة ينظر إليها السعوديون بوصفها احتفاء بالجذور الراسخة، وتجسيدًا للعلاقة الوثيقة بين القيادة والشعب، واستذكار لصمود الدولة أمام التحديات عبر العصور.

يوم التأسيس
يوم التأسيس

محطات تاريخية صنعت الكيان

يمثل يوم التأسيس استدعاء لمسار طويل بدأ بقيام الدرعية في منتصف القرن التاسع الهجري، ثم انطلاق الدولة السعودية الأولى عام 1139هـ/1727م، أعقبها قيام الدولة السعودية الثانية عام 1240هـ/1824م، وصولا إلى استعادة الرياض عام 1319هـ/1902م، ثم إعلان توحيد المملكة العربية السعودية رسميًا عام 1351هـ/1932م على يد الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن الفيصل آل سعود.

مشروع ممتد عبر أجيال

هذه المراحل المتتابعة تؤكد أن الدولة السعودية لم تكن حدث عابر في سجل التاريخ، بل مشروع ممتد عبر أجيال، تعاقبت عليه القيادات، وثبتت أركانه الإرادة والعقيدة ووحدة الصف.

وقد عبر الملك سلمان عن هذا المعنى بقوله إن الاحتفاء بيوم التأسيس هو احتفاء بتاريخ دولة وتلاحم شعب وصمود أمام التحديات وتطلع دائم نحو المستقبل، في تأكيد واضح على أن ذكرى التأسيس ليست مجرد استرجاع للماضي، بل وعي متجدد بقيمة الاستقرار والعدل ووحدة الكيان.

ومن جانبه شدد صاحب السمو الملكي محمد بن سلمان ولي العهد على البعد الحضاري العميق للدولة السعودية، مؤكدا أن للمملكة عمقا تاريخي موغل في القدم يتقاطع مع حضارات متعددة، وهو تصريح يعكس رؤية تعتبر يوم التأسيس استعادة لذاكرة أمة ممتدة في التاريخ لا وليدة اللحظة.

الإمام محمد بن سعود… حجر الأساس

عند العودة إلى البدايات، تتجلى شخصية الإمام محمد بن سعود بوصفه المؤسس الذي وضع اللبنات الأولى للدولة السعودية الأولى. فقد عمل على توحيد الدرعية وترسيخ الأمن الداخلي، وانتهج سياسة استقلالية واضحة عززت سيادة الكيان الناشئ، بعيدًا عن التبعية السياسية.

كما بادر إلى دعوة البلدات المجاورة للانضمام إلى الدولة، ونظم مواردها المالية بما يكفل استدامتها، وشيد سور الدرعية تحصينا لها من الهجمات، واهتم بتأمين طرق الحج والتجارة، إلى جانب دعمه للدعوة الإصلاحية وحمايتها. 

وأسهمت جهوده في توحيد معظم منطقة نجد، مما أرسى حالة من الاستقرار الإقليمي كانت قاعدة لانطلاق الدولة في مسيرتها الطويلة. لقد كانت تلك المرحلة تأسيسا حقيقيا لمفهوم الدولة بمؤسساتها ونظامها الإداري، ولم تكن مجرد تحالف عابر، بل مشروع سياسي واجتماعي متكامل الأركان.

يوم التأسيس
يوم التأسيس

يوم التأسيس… امتداد إلى رؤية 2030

لا يقف أثر يوم التأسيس عند حدود الماضي، بل يتصل بالحاضر والمستقبل، حيث تشهد المملكة تحولات كبرى في مختلف المجالات ضمن إطار رؤية المملكة 2030، التي تمثل مرحلة جديدة من البناء والتحديث.

وقد أكد ولي العهد دخول الرؤية مرحلتها الثالثة، بما يتطلب مضاعفة الجهود وتسريع الإنجاز لضمان نمو مستدام لما بعد عام 2030. وهنا تتجلى رمزية يوم التأسيس بوصفه حلقة وصل بين بدايات الدولة عام 1727م، ومشروعها التنموي الحديث الذي يعزز مكانتها إقليميًا وعالميًا.

إن ما بدأ قبل ثلاثة قرون كمشروع لتأسيس دولة مستقلة ذات سيادة، يتجدد اليوم في صورة اقتصاد متنوع، وتنمية شاملة، ومجتمع حيوي، يعكس روح التأسيس الأولى في ثوب معاصر.

قصر سلوى مقر للحكم في الدولة السعودية الأولى
قصر سلوى مقر للحكم في الدولة السعودية الأولى

الفرق بين يوم التأسيس واليوم الوطني

ورغم أن المناسبتين تحملان طابعا وطنيا، فإن بينهما فرق دلالي واضح. فيوم التأسيس يخلد ذكرى قيام الدولة السعودية الأولى على يد الإمام محمد بن سعود عام 1727م، بينما يرتبط اليوم الوطني بإعلان توحيد المملكة العربية السعودية عام 1932م على يد الملك عبد العزيز.

الأول يعبر عن الجذور والبدايات والعمق التاريخي، أما الثاني فيجسد اكتمال مشروع الوحدة وتوحيد أرجاء البلاد تحت راية واحدة. وكلاهما يمثلان معًا صورة متكاملة لمسيرة وطن بدأ فكرة، ثم أصبح دولة موحدة حديثة.

معالم السعودية القديمة
معالم السعودية القديمة

الذاكرة الخاصة… حين يتكلم التاريخ من الداخل

في تاريخ الأمم صفحات لا تحفظها الوثائق الرسمية وحدها، بل تصونها الذاكرة المجتمعية التي تعيش في المخطوطات والمكتبات الخاصة والبيوت العتيقة. وفي السياق السعودي، تكشف هذه الذاكرة عن وعي مبكر بالكيان السياسي والقيادة، قبل أن تستقر المسميات الرسمية وتكتمل مؤسسات الدولة الحديثة.

وتبرز المكتبات النجدية الخاصة بوصفها خزائن حقيقية لذاكرة محلية عميقة، لم تكن مجرد أماكن لحفظ الكتب، بل فضاءات لحفظ الوثيقة والمراسلات، وعناوين للعلاقة بين القيادة والمجتمع. ومن بين هذه النماذج مكتبة الشيخ العالم حمد بن فارس، التي جسدت تداخلاً فريدًا بين الدور العلمي والإداري في مراحل تشكل الدولة السعودية.

الدرعية مهد الدولة السعودية وانطلاقة أمجادها
الدرعية مهد الدولة السعودية وانطلاقة أمجادها

إدراك جمعي بالهوية والانتماء

تكشف المخطوطات المحفوظة في هذه المكتبات عن حضور مبكر لمسمى "السعودية" و"السعوديين" في سياق محلي أصيل، يعكس إدراك جمعي بالهوية والانتماء، ويمنح هذه المسميات بعد تاريخي متجذر. وهي شواهد تؤكد أن الكيان السعودي لم يكن توصيف لاحق فرضته التحولات السياسية، بل اسمًا تداولته الألسن ودونته الأقلام في زمن الدولة السعودية الأولى، تعبيرا عن وعي مجتمع بقيادته وبدولته الناشئة.

ليس مجرد ذكرى تاريخية

إن يوم التأسيس ليس مجرد ذكرى تاريخية، بل لحظة وعي متجددة تستحضر الجذور وتستشرف الآفاق. هو قصة وطن بدأ من الدرعية، وعبر مراحل متعددة من التحدي والبناء، حتى أصبح اليوم دولة راسخة الحضور، ثابتة الأركان، تمضي بثقة نحو مستقبل أكثر إشراقًا، مستندة إلى تاريخ عريق وروح تأسيس لا تنطفئ.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء