أنبياء القرآن.. إدريس عليه السلام ثالث الرسل ومبتدأ العلم والصناعة
في الحلقة الثانية من سلسلة "أنبياء القرآن"، نحكي لكم عن نبي الله إدريس عليه السلام، ثالث الأنبياء بعد آدم وشيث عليهم السلام،أرسله الله إلى قومٍ كانوا ما يزالون على التوحيد، ليذكرهم بعبادة الله وحده، ويحثهم على الطاعة وفعل الخير، وينهاهم عن المعاصي والمنكرات.
عرف إدريس عليه السلام بالنشاط المستمر في الدعوة، وبحرصه على أن يوجه الناس نحو حياة مستقيمة، فكان نموذجًا للإنسان الصالح الذي يجمع بين العلم والعمل والطاعة، ويكون قدوة في الأخلاق والفضيلة.
إدريس في القرآن
وفي القرآن الكريم يقول الله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِدْرِيسَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَّبِيًّا وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا﴾
تعكس هذه الآية مكانة إدريس العالية عند الله وصدقه كنبي، وتبين رفعة قدره وعلو منزلته، كان من بين الأنبياء القليلين الذين ذكرهم الله بالاسم، ورفع مكانه في السماء تكريمًا له على علمه وأعماله الصالحة ودعوته المستمرة للخير.
سبب التسمية
سمي إدريس لكثرة تعلمه وعنايته بالعلم، فقد كان محبًا للقراءة والتعلم منذ صغره، ويمتلك قدرة فريدة على حفظ ما ورد في صحف آدم وشيث عليهما السلام، اشتهر إدريس بأنه أول من خطّ بالقلم وكتب على الرمل، وابتكر العديد من العلوم والصناعات التي استفاد منها البشر بعده.
برع في الحساب والفلك والنجوم، وأدخل البشرية في عالم الحساب الدقيق ودراسة السماء، كما علم الناس الخياطة وصناعة الأدوات والآلات، وطور فنون العمارة والهندسة، ليصبح بذلك أساسًا للعلوم التطبيقية والمعرفية التي تطورت لاحقًا.
اهتمامه بالعلم لم مجرد هواية، بل وسيلة لتعليم البشرية الخير والعمل الصالح، ليكون العلم أداة للارتقاء بالإنسانية وزيادة الطاعة لله.
لم يكتف إدريس عليه السلام بالعلم والمعرفة، بل كان دائم النشاط في دعوة الناس إلى الله، ينبههم لكل ما فيه خير وصلاح، ويحثهم على العبادة والطاعة، وقد أوحى الله إليه أن كل عمل صالح يتم بدعوته يكتب له مثل أجر جميع من عمله.
استبشر إدريس بهذا الفضل العظيم، ودعا الله أن يمد في عمره ليزداد من الأعمال الصالحة، مؤكدًا أن الحياة الحقيقية للإنسان في الخير الذي ينشره بين الناس، وأن الأثر الطيب يمتد بعد الموت.
وفاة إدريس
أرسل الله إليه ملكًا مرافقًا لدعمه في الدعوة وتيسير الطاعة. وفي أحد الأيام، طلب إدريس أن يرى ملكوت السماوات، فرفع الله إدريس مع الملك إلى السماء الرابعة، وهناك أتيح له الاختيار بين البقاء في هذا المقام الرفيع أو قبض روحه.
اختار إدريس أن تقبض روحه بعد أن أتيح له رؤية عظمة الله، وهو في مكان عالٍ لم يصل إليه إلا الأنبياء الصادقون، لقد جسد إدريس نموذج التواضع والطاعة، حيث اختار رضا الله فوق كل شيء، ومكنه الله من رؤية السماء ورفعه مكانًا عليًا.
مكانته عند الأنبياء
خلال رحلة الإسراء والمعراج للنبي، التقى النبي بإدريس عليه السلام في السماء الرابعة، حيث رحب به وقال له: «مرحبًا بالنبي الصالح والأخ الصالح»، تأكيدًا على مكانة إدريس العالية بين الأنبياء وعلى صدقه وإخلاصه في الدعوة إلى الله.