في يوم العاشر من رمضان الموافق 6 أكتوبر 1973، خلت محاضر أقسام الشرطة من أي جرائم يكون قد ارتكبها مواطن في مصر. هذا الحدث لفت انتباه الباحثين والمراقبين الذين وجدوا أن حدثًا بحجم عبور قواتنا المسلحة قناة السويس وتحقيق النصر كان عاملًا مكرسًا لأخلاق الناس الذين ركزوا في الحدث العظيم ولم يلتفتوا إلى ما يعكر يومهم ويجعلهم في صراع مع الآخرين، كما أن المواطنين كانوا في الشهر المبارك الذي يحرص كل منهم على تفادي الوقوع في الخطأ أو الاشتباك مع الآخرين في أمور الحياة اليومية. ولأننا الآن في شهر رمضان، أطرح سؤالًا: هل تختلف الأخلاق في شهر رمضان عن بقية الشهور والأيام؟
عندما نتناول الأخلاق، فإننا عادة نعني مجموعة القواعد السلوكية التي تقر بها جماعة من الناس، وإن كان الفلاسفة لا يوافقون تمامًا على هذا التوصيف للأخلاق، بل ذهبوا إلى أن موضوعها تحديد القواعد التي ينبغي أن يحتذيها الإنسان في سلوكه، أي أن الأخلاق ليست مجرد دراسة تقريرية للعادات والطباع الخلقية السائدة بين الناس، وإنما هي في نظر الفلاسفة نظرية المثل الأعلى أو معيار الخير والشر. يربط أغلب الناس بين الأخلاق والدين، لا لأن الأخلاق لا توجد خارجه، بل لأن الدين جاء ليمنحها قداسة تضمن استمرارها. الإنسان قد يعرف الصدق، لكنه يضعفه الهوى، وقد يؤمن بالعدل، لكنه يساوم عليه حين تتعارض المصالح. هنا يتدخل الدين ليحول الأخلاق من خيار اجتماعي إلى التزام روحي، ومن سلوك مراقب إلى ضمير حي. الدين لم يخترع الأخلاق، لكنه أعادها إلى أصلها الأعلى، وربطها بمعنى الغاية، وجعلها عبادة لا مجرد لياقة اجتماعية.
ومع ذلك، فإن الأخلاق ليست حكرًا على المتدينين، وليست مشروطة بالإيمان الظاهري. هناك إنسان أخلاقي ليس متدينًا، وهناك متدين يكثر من الطقوس ويقسو في المعاملة. الأخلاق لها سمات إنسانية مستقلة؛ فهي تتصل بالعدل والرحمة والصدق والأمانة، وهذه قيم يمكن أن يحملها الإنسان بدافع إنساني أو فلسفي أو وجداني. لكن الفارق الجوهري أن الدين، حين يُفهم فهمًا صحيحًا، لا يكتفي بتشجيع الأخلاق، بل يجعلها معيار صدق التدين ذاته، فلا قيمة لعبادة لا تثمر رحمة، ولا وزن لإيمان لا يهذب السلوك.
حين تترسخ الأخلاق والفضيلة في سلوك الناس، فإنها لا تغير الأفراد فقط، بل تغير المناخ العام للحياة. الإنسان الأخلاقي أقل عنفًا، أقل كذبًا، أقل أنانية، وأكثر استعدادًا للتعايش. الأخلاق تهذب السلوك لأنها تعيد ترتيب الداخل قبل أن تقيد الخارج، تنقي النية قبل أن تحاسب الفعل، وتزرع في النفس رقابة لا تنام. ولهذا لا تحتاج المجتمعات الأخلاقية إلى قوانين قاسية، لأن الضمير فيها شريك للقانون لا خصم له.
كانت الفلسفة منذ بداياتها دعوة إلى الفضيلة، رأت فيها الطريق إلى السعادة الحقة، لا السعادة العابرة. لكنها ظلت تخاطب العقل، بينما جاء الدين ليخاطب القلب والعقل معًا. الفضيلة في الفلسفة اجتهاد إنساني راقٍ، وفي الدين استجابة لأمر إلهي يعلو على الأهواء. لهذا الفضيلة ليست شرط التدين الشكلي، لكنها شرط التدين الحقيقي. التدين الذي يخلو من الأخلاق يتحول إلى قسوة، وإلى شعائر بلا روح، وإلى سلطة أخلاقية زائفة تدين الناس ولا تصلحهم.
في شهر رمضان، تتجلى هذه الحقيقة بصورة واضحة؛ الصوم ليس امتناعًا عن الطعام بقدر ما هو تدريب على ضبط النفس، وكبح الغضب، واحترام الإنسان. رمضان يذكرنا بأن الأخلاق ليست زينة موسمية، بل جوهر العبادة، وأن الصيام الذي لا يترك أثرًا في السلوك ليس صيامًا كاملًا، وأن المدينة الفاضلة لا تُبنى بالخطب، بل ببشرٍ يصدقون، ويرحمون، ويعدلون. فإذا اجتمعت الأخلاق مع الوعي، والفضيلة مع الإيمان، لم نحتج أن نحلم بمدينة فاضلة، لأننا سنكون قد بدأنا في بنائها داخل الإنسان نفسه.
رفعت رشاد