تقرير لـ مركز باستيت: زيارة نتنياهو لترامب.. طقس غامض ومراجعات عاجلة
رغم أنه كان في الولايات المتحدة منذ نحو 3 أسابيع، عاد إليها نتنياهو مجددًا متسللًا بطائرة تناور في خط متعرج لكي لا تدخل لمجالات جوية لدول قد تلاحقه وتُسلمه للجنائية الدولية. هل هو استدعاء؟ أم محاولة للهث -سيرًا على الأقدام- وراء قطار انطلق بالفعل؟ وما الفارق بين طلبات نتنياهو من الإدارة الأمريكية وبين تلك التي نقلها له منذ نحو أسبوع رئيس أركانه ومدير الموساد؟ وهل هناك أسرار شخصية خفية تدفع نتنياهو لهذه الرحلة المتكررة؟
اللقاء مع ترامب هو السابع خلال سنة.. مع ملاحظة أن هذه المرة تم السماح بتظاهرة احتجاجية ضد الزيارة -لناشطين يهود- خارج البيت الأبيض. المحتجون في واشنطن دعوا ترامب إلى "عدم التأثر بنتنياهو" في سياساته، ووجهوا انتقادات لنتنياهو بسبب الحرب في غزة، معتبرين أن سياساته لا تمثّل اليهودية أو المجتمع اليهودي في أمريكا. وبهذا تتساوى الولايات المتحدة لأول مرة بموقف أستراليا -على سبيل المثال- التي استقبلت الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ وسمحت بمظاهرات ضده وضد زيارته.
وكان نتنياهو قد صرّح -عبر ديوانه- أنه سيقدّم للرئيس الأمريكي "مبادئ ومواقف" إسرائيل بشأن المفاوضات مع إيران، مؤكدًا أن هذه المبادئ ليست فقط مهمة لإسرائيل، بل أيضًا لكل من يرغب في إرساء السلام في العالم!
فوفقًا للمعلن، هذه هي أهداف الزيارة، وهي في مجملها "السعي للتأثير على المفاوضات التي تجري بين الولايات المتحدة وإيران، والضغط لمنع تنازلات واسعة لطهران" ترفع عنها العقوبات وتحقق لها فوائض مالية تساعد في تطوير الصواريخ ودعم الأذرع.
وحسب وسائل الإعلام الإسرائيلية، فإن المبادئ أو الشروط أو الخطوط الحمراء تتمثل فيما يلي: وقف دعم إيران للأذرع في لبنان واليمن والعراق، تحجيم الصواريخ الباليستية، إخراج اليورانيوم المخصب من إيران، إلغاء تام للبرنامج النووي.
وكأنها "شروط استسلام"، وكأن إسرائيل انتصرت في حربها – بمساندة الولايات المتحدة المباشرة- ضد إيران، وكأنها أوقفت الحرب بعد 12 يومًا لمنح إيران فرصة للتعافي!!
النقاشات في اللقاء في البيت الأبيض بين ترامب ونتنياهو ركّزت على إيران، لكن المواقف وفق كل المؤشرات تباينت رغم الزيارة المتعجلة: ترامب يريد استكمال المفاوضات مع طهران، بينما نتنياهو يضغط لإدراج الصواريخ الباليستية وحفظ أمن إسرائيل كجزء من أي اتفاق. وهكذا أتت الصياغة المطاطة التي لا تعترف بانفجار اللقاء وفشله، مكتفية بالصيغة الدبلوماسية: "البيت الأبيض ونتنياهو توصلا إلى مواصلة الحوار حول إيران".
لقاء الثلاث ساعات انتهى بتغريدة لترامب عن أمله في جدية إيران في المفاوضات. بينما اعتبر مراقبون إسرائيليون أن اللقاء كان أشبه بمجلس حرب.
أريئيل كاهانا في يسرائيل هيوم سجل ملاحظات مهمة ربما تكون غير مسبوقة منذ لقاء ترامب الأول مع نتنياهو عام 2016، حيث هرب نتنياهو من الإعلام ولم يتم عقد مؤتمر صحفي ولا حتى لقاء على هامشه مع وسائل إعلام أمريكية يمينية.
الزيارة التي قام بها نتنياهو تُعد فاشلة فشلًا مزدوجًا، حيث لم يفلح بيبي في استثمار الفرصة الثانية لتغيير مواقف الإدارة الأمريكية بعد الأولى التي تتمثل في: لقاء جمع المفاوضين الأمريكيين الذين هبطوا في تل أبيب قبل التوجه للمفاوضات غير المباشرة في سلطنة عمان مع رئيس الأركان جيش الاحتلال ورئيس الموساد، وهو لقاء تجاوز الأربع ساعات.
ويمكن تفسير هذا الفشل المتكرر بأنه يتسق مع تحول إسرائيل وحكومتها من ورقة ضغط على الطرف الإيراني .. إلى عبء. فإذا كانت الولايات المتحدة تستطيع إخلاء القواعد العسكرية في الخليج وفي شمال شرق سوريا قبل أي صدام محتمل مع إيران، وقد شرعت بالفعل في ذلك مرارًا.. فإنه ليس من المقدور إخلاء إسرائيل التي تُعد هدفًا سهلًا ورخوًا ومشروعًا في ظل مبادرة الجانب الإسرائيلي لمهاجمة إيران 3 مرات، وخاصة أن ضربة موجعة وموثقة لبلطجي المنطقة سيسعد بها الرأي العام في إيران وخارجها.. مع ملاحظة توجسات الداخل الإسرائيلي وسابق تصريح نتنياهو بمصير إسبرطة التي اضطرت للمحاربة وحيدة ثم انهارت واختفت للأبد. ومع ملاحظة أن تقلص مجال المناورة أمام إسرائيل انعكس على انزواء وزير الخارجية الإسرائيلي (جدعون ساعر) عن الأنظار والأضواء على مدار الشهور الماضية، ويمكن القول أن هذا التهميش .. والتجاهل .. يعبر عن إفلاس في بنك الشخصيات الإسرائيلية المؤثرة، لصالح المبعوثين الأمريكيين ستيف ويتكوف وكوشنر، أصحاب المكانة والصلاحيات والقدرات، ولذا الجميع يتابع تفاوضهما ورأيهما ومواقفهما.. ويسعى لمقابلتهما.
نتنياهو في المقابل حاول التمهيد لزيارته ولمطالبه بتحريض طفولي.. استوقف حتى كتاب الرأي في هآرتس، حيث ذكر جدعون ليفي في مقال له بالصحيفة ذات التوجهات اليسارية: إذا كانت حرب الـ12 يومًا قد نجحت، فلماذا يطلب نتنياهو شن حرب أخرى؟ وعلى نفس المنوال طرح تسفي باريئل -صحفي ميداني ومحلل زار العراق بعد سقوط صدام حسين- في نفس الصحيفة تساؤلات منها: هل سينجح نتنياهو في إقناع ترامب بشن حرب ضد إيران؟ هل سيفرض عليه أن يضرب الصواريخ الباليستية ولا يكتفي فقط بالمواقع النووية التي سبق وأن أعلنت تل أبيب وواشنطن أنه تم تدميرها في شهر يونيو الماضي؟! هل سيقنع ترامب بأن أي نتائج لحرب ضد إيران لن تكون مرضية طالما استمر النظام الحالي في إيران لأنه يمثل خطرًا على تل أبيب؟ وما هو المقابل الذي سيطلبه ترامب من إسرائيل مقابل تنفيذ طلباتها؟
أكثر من مدون اعتبروا أن مصلحة إسرائيل الحقيقية تكمن في العثور على من ينقذها من نفسها، فقال أحدهم في معاريف: من الأفضل أن يدعم ترامب فعلًا إسرائيل، ويمتنع عن شن حرب ضد إيران، حتى من يزعم أنه مؤيد للحرب في إسرائيل سيعاني من ويلاتها حين تندلع.
مدون آخر أوضح: ليس بقدرة ترامب أن ينقذ إسرائيل من نفسها لأن تقييماته خاطئة. وفي يديعوت أحرونوت قال أحد القراء في تعليق له على زيارة نتنياهو: إن التحالف الاستراتيجي هو بين الولايات المتحدة وبين إسرائيل وليس بينها وبين نتنياهو. ولذا يجب على واشنطن أن تدافع عن إسرائيل وتحميها من نتنياهو.
يجدر بنا أن نشير إلى أن المعلن بشأن زيارة نتنياهو لواشنطن على عجل ربما يكون تلوينًا للحقائق وتعمية متعمدة عن ملفات أخرى، نظرًا لأن نتنياهو له تاريخ عتيد في خلط العام بالخاص، وهو حين يطارد ترامب في مكتبه وفي مزرعته في فلوريدا.. بفارق زمني 3 أسابيع فقط، ربما يشغله (العفو)، الذي تأخر البت فيه، وكاد تُطوى صفحته ويدخل إلى سراديب النسيان، أو (ملفه الطبي).. أو الاستعداد النهائي لـ (منفى اختياري) في الولايات المتحدة.. أي أن نفس سبب زياراته المتكررة لواشنطن -وكأنه يعود إلى إسرائيل في إجازات وليس العكس- هو نفس السبب الذي يجعل ابنه يائير ينزح بشكل دائم للولايات المتحدة في زمن الحرب، وكذلك مكوث زوجته سارة في الولايات المتحدة لشهور أكثر من مرة بدون سبب معلن.
بميزانية تأمين ضخمة تتجاوز ملايين الشيكل، لنقل عناصر من الاستخبارات الداخلية للولايات المتحدة وتبديل الأطقم في إجازات.. مع تشديد الحراسة، خاصة بعد اختيار يائير عضوًا في اللجنة المركزية لحزب الليكود، رغم عدم حضوره وإقامته الدائمة في الخارج، ورغم عدم عقد انتخابات على المنصب!!
نتنياهو أيضًا قد يكون من بين أهدافه غير المعلنة من الزيارة: إلهاء الرأي العام عن فضائح الحارس الخاص الذي كشف أسرارًا جديدة لسلوكه هو وأسرته، من بينها اعتياد نتنياهو وزوجته على التهرب من دفع الحساب في المطاعم..
الإعلام الإسرائيلي يقول إن اللقاء الأخير هو الأطول.. وخلاله تم عرض الخطوط الحمراء الإسرائيلية.. وهنا نوضح أنه فيما يتعلق بإيران، نجد أن المطالب الإسرائيلية "بلا سقف".. وتتجاوز القضاء على أي قدرات نووية سلمية إيرانية والقضاء على الصواريخ الباليستية، وليس مجرد تحجيم مداها.. وكذلك إسقاط النظام.. نظرًا لأن معهد الأمن القومي الإسرائيلي التابع لجامعة تل أبيب ذكر منذ أيام: حتى لو تم قبول هذه الشروط والمطالب، لن تلتزم بها إيران مستقبلًا!!
في المقابل، لا يمكن تجاهل مواقف الوسطاء والأطراف الإقليمية متمثلة في السعودية ومصر وقطر وسلطنة عمان، خاصة وقد أبرزت الصحف الإسرائيلية مواقف الوسيط التركي وزير الخارجية هاكان فيدان حين قال: إن السعي لتضمين كل الموضوعات في المفاوضات سيفجر حربًا، ولن يفجر المفاوضات فقط، وهدف إسرائيل من إثارة ملف الصواريخ هو الاحتفاظ بتفوقها.
الخلاصة: أدرك نتنياهو مبكرًا أنه وإسرائيل تحت قيادته تعود لحجمها الطبيعي، وأن حسم الأمور المصيرية لتل أبيب وله ولأسرته يبدأ وينتهي في الولايات المتحدة. ويتابع بكل تأكيد استطلاعات رأي في أمريكا أظهرت انقسامًا واسعًا حول الدعم الأمريكي لإسرائيل، وبيّنت أن نسبة غير قليلة تفضّل وقف الدعم أو زيادة الضغط على إسرائيل بسبب الحرب في غزة، مع انخفاض ملموس في ثقة الجمهور الأمريكي بقدرة نتنياهو على إدارة الشؤون الخارجية. فوفقًا لاستطلاع نشرته يديعوت أحرونوت، فإن 53% من الأمريكيين باتوا ينظرون لإسرائيل بشكل سلبي في عام 2025 مقابل 42% في عام 2022، مع أغلبية لا تثق في نتنياهو. ولذا يتعامل رئيس الوزراء الإسرائيلي حاليًا مع واشنطن كأنها الملاذ الأخير المهدد بإدارة الظهر له.. (على غرار حلفاء للولايات المتحدة في أفغانستان وأوكرانيا)، محاولًا تطويق انقلاب الرأي العام ومصفوفات داخل الولايات المتحدة على مواقفه وطلباته ومخططاته، بداية من احتجاجات واسعة داخل الجامعات – تم قمعها ولكن يمكن أن تتطور وتنفجر من جديد في أي وقت- ومظاهرات حتى ليهود داخل قاعات، أو لأول مرة في مواجهة البيت الأبيض نفسه، وسخرية ترامب من قدرة اللوبي الإسرائيلي وحجم تأثيره، وأخيرًا تفاوض الولايات المتحدة المباشر مع إيران وقبلها حماس. الإعلام الإسرائيلي يروج على خلفية زيارة نتنياهو للولايات المتحدة إلى أن طهران تتراجع وتستجيب للضغوط في بعض الأحيان، لكنه طوال الوقت يروج ويحث لضربة أمريكية ويرى أنها من مصلحة تل أبيب أن تحدث.. ويرى كاتب هذه السطور أن هذا جزء من حرب نفسية ومحاولة للردع، رغم احتمالية تعرض إسرائيل لخسائر فادحة عند أي مواجهة.
2