رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

يقول جبران خليل جبران في كتابه "النبي" مقولته الشهيرة: "أولادكم ليسوا لكم، أولادكم أبناء الحياة المشتاقة إلى نفسها، بكم يأتون إلى العالم، ولكن ليس منكم. ومع أنهم يعيشون معكم، فهم ليسوا ملكاً لكم، أنتم تستطيعون أن تمنحوهم محبتكم، ولكنكم لا تقدرون أن تغرسوا فيهم بذور أفكاركم، لأن لهم أفكارأً خاصةً بهم.

 

وفي طاقتكم أن تصنعوا المساكن لأجسادكم، ولكن نفوسهم لا تقطن في مساكنكم، فهي تقطن في مسكن الغد، الذي لا تستطيعون أن تزوروه حتى ولا في أحلامكم.وإن لكم أن تجاهدوا لكي تصيروا مثلهم، ولكنكم عبثاً تحاولون أن تجعلوهم مثلكم، لأن الحياة لا ترجع إلى الوراء، ولا تلذ لها الإقامة في منزل الأمس.
أنتم الأقواس وأولادكم سهام حية قد رمت بها الحياة عن أقواسكم."

ولو أننا توقفنا قليلا لكن بعمق أمام هذا الكلام، لوفرنا كثيرًا من الجهد غير المُنتِج على أنفسنا، ولوفرنا على أبنائنا الجهد في غير موضعه: سواء في مقاومة أفكارنا التي لن تناسب زمانهم، أو في ممارسة أفكار عفى عليها الزمن.

 

قد يبدو هذا الكلام قاسيًا، لكنها الحقيقة، وهي حقيقة واقعية الآن أكثر من أي زمنٍ مضى، فنحن نصحو من النوم في يومٍ عادي جدًا لنجد أن كل شئ حولنا قد تغير! فأي ماضٍ هذا الذي نتمسك به وبرؤيتنا التي بنيناها بناءً عليه؟

 

هل يعني هذا أن نترك أبنائنا في مهب ريحٍ لا يملكون ما يحمون أنفسهم به أمامها؟ في الواقع أن الإجابة أصعب من أن تتدفق بتلقائية، فكل واعي للواقع الذي نعيشه، يدرك جيدًا أننا كأباء لم نعد متلك الإجابات المؤكدة، أو حتى التي تبدو لنا مؤكدة! على عكس كل الأجيال التي سبقتنا، والتي بنت رؤاها على رؤى الأسلاف، لكن العالم تغير كثيرًا، ويتغير سريعًا، فأي يقين ذلك الذي ندعيه بل وننقله لأبناء سيعيشون زمن نجهل كل شئ عنه حتى ولو من باب التخيل!

 

الطمأنينة لأفكار وثوابت مسبقة أصبح ترفًا لم يعد ممكنًا، والقول بغير ذلك هو كذب أو هروب من واقع صعب.

نحن جيل كُتِبَ علينا أن نحارب طوال الوقت، نحارب زمن كان ينسحب و يلملم أوراقه ونحن على أعتاب الشباب لم نزل، وتغيرات عميقة وجوهرية ومتسارعة لم تشهدها أيِ من عصور البشرية قبلنا، ولم تُكتَب لنا الراحة حتى بعدما كبرنا وأصبح أولادنا يتجاوزون قاماتنا، فنحن نخاف عليهم كثيرًا، دون أن نملك يقيناً نورثهم إياه، ولا وعي يضئ لهم الطريق فيمنح قلوبنا الطمأنينة عليهم ويريح ضمائرنا بأننا فعلنا ما هو متاح.

وبرغم كل ذلك، فيقيني الحقيقي هو أننا نملك ما نعطيه بسخاء لهؤلاء الأبناء، وهو الحب غير المشروط، فهذا وحده ما لن يمنحه لهم سوانا، والتفهم لصعوبة العصر الذي يعيشون فيه والمجهول الذي سيواجهونها لا بد، أن نتشارك نحن وهم السير في الطريق المجهول تماماً الذي بدأته البشرية جمعاء، ومن يدعي غير ذلك لهو كاذب، فما من إنسان اليوم آمن من جنون التغيير المخلوط بمطامع الاستحواذ الإنسانية عبر التاريخ، لكن الله وحده يعلم ما سيحمل الغد من تحديات.. و من فرص.

ولكأنه واجبٌ يومي، تحدي عالمي، مهام وجوبية بلا جدول أعمال، ولا مناص من "تحالف" بين كل الأجيال لنخطو سوياً بلا خوف يصيب جيلنا على مستقبل أبنائه، وبلا ضبابية تربك جيل الأبناء.

ويا له من أمرٍ صعب.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء