رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

قصة هروب نابليون بونابرت من المنفى.. وعودته إلى عرش فرنسا

 هروب نابليون بونابرت
هروب نابليون بونابرت

في ربيع عام 1815 شهدت أوروبا واحدة من أكثر اللحظات درامية في تاريخها الحديث، حين تمكن القائد العسكري الفرنسي نابليون بونابرت من الفرار من منفاه في جزيرة ألبا، ليعود إلى فرنسا ويستعيد الحكم في مغامرة سياسية وعسكرية عرفت لاحقًا باسم «المائة يوم».

لم يكن الأمر مجرد هروب من جزيرة نائية، بل كان تحديًا مباشرًا للقوى الأوروبية التي ظنت أنها أنهت أسطورته إلى الأبد.

الهزيمة الكبرى

بحلول عام 1814، كانت الجيوش الأوروبية قد توحدت في تحالف واسع للقضاء على نفوذ نابليون، الذي خاض حروبًا طويلة أعادت رسم خريطة القارة. وبعد سلسلة من المعارك العنيفة، تقدمت قوات الحلفاء نحو باريس، في مشهد بدا وكأنه نهاية حتمية لعهد الإمبراطور.

أجبر نابليون على التنازل عن العرش، وصدر قرار بنفيه إلى جزيرة ألبا، وهي جزيرة صغيرة في البحر المتوسط قبالة سواحل توسكانا الإيطالية.

ورغم أن شروط نفيه منحته لقب «حاكم ألبا» وحرسًا محدودًا، فإن ذلك لم يكن سوى إبعاد سياسي مدروس لإبعاده عن مسرح الأحداث الأوروبية.

لكن أوروبا التي اعتقدت أنها تخلصت منه كانت تغفل عن أمرين: طموحه الذي لم يخمد، وشعبيته المستمرة داخل قطاعات واسعة من الجيش الفرنسي.

منفى مترقب

خلال الأشهر العشرة التي قضاها في ألبا، لم يتحول نابليون إلى أسير يائس، بل تصرف كقائد ينتظر اللحظة المناسبة، أعاد تنظيم شؤون الجزيرة، واهتم بإدارتها، لكنه في الوقت ذاته كان يتابع أخبار فرنسا بدقة.

كانت البلاد تعيش حالة من الاضطراب بعد عودة الملك لويس الثامن عشر إلى الحكم، لم يكن كثير من الضباط والجنود راضين عن السياسات الجديدة، كما أن قطاعات من الشعب شعرت بأن عودة الملكية تمثل تراجعًا عن مكتسبات الثورة الفرنسية، هذه الأجواء أوحت لنابليون بأن فرصته لم تنتهِ بعد.

بدأت الرسائل تتسرب إليه من أنصاره، حاملة أخبار التململ داخل الجيش، عندها بدأ التفكير يتحول إلى خطة فعلية للعودة، رغم المخاطر الهائلة التي قد تعني إعدامه فور القبض عليه.

خطة جريئة

في 26 فبراير 1815، غادر نابليون جزيرة ألبا سرًا على متن سفينة صغيرة، وبرفقته نحو 600 من رجاله المخلصين، لم يكن يملك جيشًا ضخمًا، ولا دعمًا دوليًا، بل كان يعتمد على عنصر المفاجأة وعلى صورته الراسخة في أذهان الجنود الفرنسيين.

وصل إلى السواحل الجنوبية لفرنسا بالقرب من مدينة كان، وبدلًا من التوجه مباشرة إلى باريس عبر الطرق السريعة، اختار طريقًا جبليًا يمر عبر القرى والبلدات، حيث يمكنه كسب الوقت واستمالة الجنود. كانت مخاطرة محسوبة: إما أن يُقبض عليه فورًا، أو أن تتوالى الانضمامات إلى صفوفه.

التفاف الجيش

أُرسلت قوات ملكية لاعتراضه، وكان من المفترض أن تنتهي مغامرته عند أول مواجهة. لكن ما حدث في جرينوبل غيّر مجرى الأحداث، تقدم نابليون وحده تقريبًا نحو الجنود، وفتح معطفه قائلًا عبارته الشهيرة: «إن كان فيكم من يريد قتل إمبراطوره، فها أنا ذا».

لم تطلق رصاصة واحدة. بدلًا من ذلك، دوى الهتاف في السماء: «يحيا الإمبراطور»، انضم الجنود إليه، وتكررت المشاهد ذاتها في مدن أخرى. حتى المارشال ناي، الذي تعهد بإحضاره في «قفص حديدي»، انضم إليه في النهاية تحت ضغط المشاعر والولاء القديم.

كانت تلك اللحظات تجسيدًا لقوة الكاريزما الشخصية التي تمتع بها نابليون، إذ تحولت مسيرته الصغيرة إلى زحف متصاعد نحو العاصمة.

عودة مفاجئة

أمام هذا التقدم السريع، أدرك لويس الثامن عشر أن الموقف لم يعد قابلًا للسيطرة، غادر باريس قبل وصول نابليون بساعات، لتخلو العاصمة من أي مقاومة تذكر.

في 20 مارس 1815، دخل نابليون باريس وسط استقبال شعبي وعسكري، وعاد إلى قصر التويلري ليبدأ فصلًا جديدًا من حكمه. هكذا استعاد العرش دون معركة كبرى، معتمدًا على سرعة الحركة وولاء الجنود.

غير أن هذه العودة لم تكن سوى بداية مواجهة جديدة مع أوروبا، التي سارعت إلى تشكيل تحالف عسكري جديد ضده، رافضة الاعتراف بعودته.

النهاية الحاسمة

لم تستمر مغامرة «المائة يوم» طويلًا. ففي يونيو 1815، واجه نابليون قوات الحلفاء في معركة واترلو، التي انتهت بهزيمته الحاسمة، هذه المرة لم تُمنح له فرصة ثانية؛ فقد تقرر نفيه إلى جزيرة سانت هيلانة النائية في جنوب المحيط الأطلسي، حيث قضى بقية حياته بعيدًا عن أوروبا التي أراد حكمها.

وهكذا، تحولت قصة هروبه من ألبا إلى واحدة من أكثر الوقائع إثارة في التاريخ الحديث، إذ أثبتت أن سقوط القادة لا يعني دائمًا نهاية نفوذهم، وأن الإرادة السياسية قد تعيدهم إلى المشهد ولو مؤقتًا.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء