نحن نعيش في عصر “الاستعراض المستمر”؛ حيث يهرع الجميع ليقول شيئًا، أي شيء، فقط ليثبت أنه ما زال على قيد الحياة، لكن، هل سألنا أنفسنا يومًا متى كانت آخر مرة جلسنا فيها مع أنفسنا دون وسيط رقمي، ودون رغبة في نيل إعجاب عابر من غرباء لا يعرفون عن حزننا سوى لون "الإيموجي" الذي نختاره؟
إن هذا اللاهث خلف الأضواء يغفل عن حقيقة أن أعمق الأشياء هي تلك التي تحدث في الخفاء، بعيدًا عن صخب المنصات وازدحام التعليقات الباردة.
إن المأساة الحقيقية في جيلنا ليست في قلة المعرفة، بل في فيض المعلومات الذي قتل "الدهشة"، لقد أصبحنا نعرف كل شيء عن كل شيء، لكننا لم نعد نشعر بشيء تجاه أي شيء؛ فالأدباء الكبار لم يكتبوا بمداد الحبر، بل بمداد الأرق، كانوا يراقبون سقوط ورقة شجر في خريف منسي ويكتبون عنها مجلدًا، لأنهم لم ينظروا بأعينهم، بل ببصيرتهم، واليوم نرى تهافتًا مرعبًا نحو "التريند" المؤقت، ونسيانًا تامًا للخلود الذي لا يسكن إلا في "التفاصيل" المتروكة على قارعة الإهمال. إن العظمة لا تكمن في استعراض الذكاء، بل في تلك القدرة الفريدة على وصف شعورٍ يسكن الصدور منذ الأزل ولم يجد له اسمًا حتى اللحظة؛ فليس الإبداع في اختراع لغة هجينة، بل في نفخ الروح في الكلمات القديمة لتعيش حياةً لم تعهدها من قبل.
تأملوا الوجوه في المقاهي، في الحافلات، وفي الممرات الضيقة، فكل وجه هو رواية لم تُكتب بعد، وحكاية لم تجد من ينصت لنبرتها الحقيقية، لكننا استبدلنا تأمل الوجوه بمراقبة الشاشات الصماء، وفقدنا "أدب الإنصات" الذي هو جوهر التواصل البشري، بتنا نتحدث فوق بعضنا البعض، ونكتب لكي نُرى لا لكي نُفهم، وننسى أن المقالة التي لا تهزّ القناعات الراسخة، ولا تجعل المرء يتوقف عند نقطة ما ليعيد النظر في سقف غرفته متأملًا في ماهية وجوده، هي مجرد رصٍّ عقيم للحروف لا يستحق عناء المتابعة؛ فالكتابة الحقيقية هي عملية تعرية للروح، هي وقوفٌ عارٍ تمامًا أمام الحقيقة دون مساحيق تجميل لغوية أو بلاغة زائفة تستر عجز الفكرة.
لن يرتجف الوجدان أمام الكلمات المنمقة التي تخرج من القواميس المتربة، بل سينحني إجلالًا حين يرى "الصدق" يقطر من بين السطور كنزيف حي، فالشهرة الحقيقية لا تُقاس بعدد المتابعين أو بضجيج التصفيق، بل بتلك القشعريرة التي تصيب الروح حين تشعر أن هذا النص كُتب لها وحدها، وأن هناك من سهر الليالي لكي يمنحها لحظة واحدة من الاستبصار، نحن بحاجة ماسة اليوم إلى ثورة ضد السطحية، ثورة تعيد للكلمة هيبتها المفقودة، وللصمت جلاله الذي اغتصبته الثرثرة الإلكترونية، فالمقال القوي هو الذي يترك خلفه أسئلة وجودية أكثر مما يقدم أجوبة معلبة، وهو الذي يمنح شعورًا بالامتلاء الروحي رغم أنه لم يأخذ سوى دقائق من الزمن.
إن الانغماس في "خديعة الضوء" جعلنا نخشى "ألفة العتمة"، تلك العتمة التي تولد فيها الأفكار الكبرى وتنمو فيها التأملات العميقة، فالمبدع هو سادن الصمت ومحارب التفاهة، ومن يمتلك الشجاعة ليقف وحيدًا ضد تيار التسطيح الجارف، سيجد في النهاية أن كلماته أصبحت مرافئ لكل التائهين الذين يبحثون عن مرآة تعكس حقيقتهم لا صورتهم المحسنة؛ لذا، دعونا نجعل من الكتابة فعلًا تطهيريًا، وطقسًا من طقوس الاستعادة، نستعيد به إنسانيتنا المفقودة في زحام المرايا، ونعلن به أن الكلمة الصادقة ستظل دائمًا هي الناجي الوحيد من مقصلة النسيان.
إننا لا نكتب لنملأ الفراغ، بل لنثقب الصمت المحيط بنا، لعلّ نورًا يمرّ من خلاله. فالكلمة التي لا تجرح زيف الواقع ولا توقظ نائمًا، هي صدىً ضائع في وادٍ مهجور. لنبقَ أوفياء لتلك التفاصيل المنسية، فهي الحقيقة الوحيدة التي لن تستطيع المرايا، مهما تعددت، أن تسرقها منا.