ذكرى سقوط بغداد.. هولاكو يغير وجه التاريخ بالقضاء على الخلافة العباسية
تمر اليوم ذكرى دخول القائد المغولي هولاكو خان إلى بغداد في 15 فبراير عام 1258، بعد حصار استمر اثني عشر يومًا أنهى قرابة خمسة قرون من حكم الدولة العباسية، جاء الهجوم بتكليف من الخاقان الأكبر منكو خان، الذي أراد استكمال الفتوحات المغولية في جنوب غرب آسيا، امتدادًا لمسيرة جدهما جنكيز خان.
كان الجيش المغولي يقدر بنحو مائتي ألف مقاتل مدججين بالسلاح والخبرة القتالية، في مقابل قوة بغدادية لا تتجاوز عشرة آلاف فارس، بعدما أُضعف الجيش العباسي بصورة لافتة، أحاطت جيوش المغول بالمدينة من جهتيها الشرقية والغربية، ونصبت المجانيق والعرادات، وأمطرت الأسوار بالنبال والقذائف، حتى بات سقوط العاصمة مسألة وقت لا أكثر.
خيانة وصراعات
يروي المؤرخ ابن كثير في كتابه «البداية والنهاية» تفاصيل العام 656هـ، متهمًا الوزير ابن العلقمي بالتواطؤ، إذ أشار على الخليفة بتقليص عدد الجيش من مائة ألف إلى عشرة آلاف، وهو ما اعتبره ابن كثير سببًا مباشرًا في إضعاف بغداد أمام الغزو، كما تحدث عن مراسلات وهدايا أُرسلت إلى هولاكو في محاولة لاحتواء غضبه، لكنها لم تفلح في تغيير مسار الأحداث.
ويذكر أن أمدادات وصلت إلى المغول من بعض القوى الإقليمية خوفًا من بطشهم، ما زاد عزلة بغداد. وفي ظل الانقسام الداخلي، بدت المدينة عاجزة عن حشد دفاع حقيقي، بينما كان الخطر يقترب يومًا بعد يوم.
النهاية المأساوية
بعد اشتداد الحصار، خرج الخليفة العباسي المستعصم بالله في جمع من القضاة والفقهاء والأعيان طلبًا للمصالحة، على أمل التوصل إلى اتفاق يقضي بتقاسم خراج العراق. غير أن المفاوضات انتهت بفرض الحصار الكامل عليه، ثم صدور الأمر بقتله.
وتعددت الروايات حول طريقة إعدامه؛ فقيل إنه قُتل رفسًا داخل جوالق حتى لا يُراق دمه على الأرض، وقيل خُنق أو أغرق، بينما بقيت التفاصيل محل خلاف بين المؤرخين.
بسقوط الخليفة، انتهت رسميًا الخلافة العباسية في بغداد، وبدأت واحدة من أكثر الفترات قتامة في تاريخ المدينة، إذ اجتاح المغول شوارعها، وقتلوا عددًا هائلًا من سكانها، ودمروا مكتباتها ومراكزها العلمية، حتى قيل إن مياه دجلة اسودّت من كثرة ما ألقي فيها من الكتب.
تحول تاريخي
لم يكن سقوط بغداد مجرد احتلال مدينة، بل كان حدثًا مفصليًا غيّر موازين القوى في العالم الإسلامي لقرون تالية. فقد مثل انهيار العاصمة العباسية صدمة حضارية كبرى، وأعاد رسم الخريطة السياسية للمنطقة، فاتحًا الباب أمام صعود قوى جديدة.
وبعد مرور 763 عامًا، ما تزال ذكرى سقوط بغداد تُستعاد بوصفها لحظة فارقة بين عصرين؛ عصر ازدهار علمي وثقافي قادته بغداد لقرون، وعصر اضطراب طويل أعقب اجتياحها، لتظل الحادثة شاهدًا على أن الانقسام الداخلي قد يكون أفتك من جيوش الخارج.