رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

منذ سنوات، والمتابع الجاد للحركة الثقافية المصرية يدرك أن المشهد لم يعد يحتمل الحلول الجزئية أو القرارات المؤقتة، بل يحتاج إلى رؤية شاملة تتعامل مع الثقافة باعتبارها خط الدفاع الأول عن الوعي والهوية. ومن هذا المنطلق، تبدو المرحلة الحالية في حاجة إلى إدارة ثقافية تمتلك خبرة دولية، وفهمًا لطبيعة القوة الناعمة، وقدرة على تحويل الأفكار إلى مشروعات قابلة للتنفيذ.

ومن خلال معرفة سابقة بتجربة الدكتورة جيهان زكي، منذ توليها رئاسة أكاديمية الفنون في روما، يمكن القول إن لديها تصورًا واضحًا لدور الثقافة المصرية خارجيًا وداخليًا، وهو ما يفتح الباب أمام معالجة عدد من الملفات المتراكمة.

أول هذه الملفات هو ملف استعادة الهوية الثقافية الوطنية، الذي تراجع بصورة ملحوظة خلال السنوات الأخيرة تحت ضغط أنماط ثقافية أجنبية تسللت إلى تفاصيل الحياة اليومية، ليس عبر الفنون فقط، بل عبر اللغة وأنماط السلوك والاستهلاك والمعرفة.. الهوية الثقافية ليست شعارًا إنشائيًا، بل منظومة قيم ومعرفة وذائقة عامة، تتشكل عبر التعليم والفنون والإعلام والكتاب. ومع ضعف المحتوى الثقافي المحلي وتراجع حضوره، أصبح الشباب أكثر التصاقًا بنماذج مستوردة لا تعبر عن بيئتهم ولا تاريخهم. المطلوب هنا مشروع متكامل يعيد الاعتبار للمنتج الثقافي المصري، يدعم حضوره في المسرح والسينما والنشر والفنون البصرية، مع ربط ذلك بخطط واضحة للوصول إلى الأجيال الجديدة بلغتها وأدواتها.

الملف الثاني يرتبط مباشرة بالهوية، وهو إطلاق مشروع قومي للقراءة على غرار التجارب الناجحة السابقة مثل "مكتبة الأسرة" التي أعادت الكتاب إلى كل بيت. القراءة ليست نشاطًا ترفيهيًا، بل عملية بناء وعي طويل المدى.. الأجيال التي تربت على مشروعات القراءة العامة ما زالت تحتفظ بكتبها وتشير إليها باعتبارها نقطة تحول في تشكيل وعيها.. نحن الآن في حاجة ماسة لإحياء هذا النموذج بروح جديدة، تعتمد على تنوع العناوين، وجودة الاختيار، وانخفاض السعر، وسهولة التوزيع، مع دمج الوسائط الرقمية دون إلغاء الكتاب الورقي.. مشروع القراءة يجب ألا يكون موسمًا مؤقتًا، بل برنامجًا مستمرًا تشارك فيه الوزارة مع المدارس والجامعات والمكتبات العامة ودور النشر ومؤسسات المجتمع المدني والمؤسسات الصحفية، بحيث يصبح الوصول إلى الكتاب حقًا متاحًا لا رفاهية.

أما الملف الثالث فهو تطوير البنية التحتية الثقافية، وهو ملف لا يقل أهمية عن المحتوى نفسه. فلدينا مسارح ودور عرض ومكتبات وقصور ثقافة في محافظات عديدة، منها القاهرة والجيزة، لكن جزءًا كبيرًا جدًا منها مغلق أو يعمل بطاقة محدودة أو يحتاج إلى صيانة عاجلة. إعادة تأهيل هذه المواقع أقل تكلفة بكثير من إنشاء مواقع جديدة، ولكنها تتطلب حصرًا دقيقًا وخطة تمويل واضحة، وتنسيقًا مباشرًا مع وزارة المالية المختصة.. فمن غير المنطقي أن تُنفق مبالغ كبيرة على إنشاء أو تطوير موقع ثقافي، ثم يُترك مغلقًا بسبب نواقص محدودة أو إجراءات إدارية مؤجلة.

هناك أمثلة متعددة لمواقع يمكن إنقاذها بتدخل سريع، مثل بعض المسارح الإقليمية التي توقفت رغم أن إنجازها كان شبه مكتمل، مثل مسرح ثقافة المنيا، أو مبانٍ سينمائية قديمة في المحافظات مهددة بالانهيار رغم قيمتها التاريخية وإمكانية إعادة توظيفها، مثل سينما ركس في الإسكندرية. كذلك توجد مواقع تابعة للجهات الثقافية غير مستغلة، وبدلًا من إغلاقها يمكن تحويلها إلى مراكز إشعاع ثقافي أو مسارح صغيرة أو مكتبات مجتمعية، بدلًا من أن تظل عبئًا مهملًا. كما أن إنشاء مراكز ثقافية جديدة في الأقاليم لم يعد ترفًا، بل ضرورة لتحقيق العدالة الثقافية وعدم ترك النشاط الفني متمركزًا في نطاق جغرافي ضيق.

يرتبط بذلك ملف إدارة المواقع الثقافية واختيار القيادات. فنجاح أي مؤسسة ثقافية لا يعتمد فقط على الميزانية أو المبنى، بل على كفاءة من يديرها. فنحن في حاجة إلى مبدعين لإدارة الملف الثقافي، وليس موظفين، حتى لا تتحول الأنشطة الفعالة إلى أداء وظيفي ليس له عائد. المطلوب آلية واضحة لاختيار القيادات تقوم على الكفاءة والخبرة والقدرة على الابتكار والإبداع، مع نظام متابعة وتقييم دوري، وإتاحة الفرصة لدماء جديدة قادرة على التعامل مع المتغيرات السريعة في المجال الثقافي، وإعطائها فرصة حقيقية بعيدًا عن الروتين والدرجات الإدارية والمالية.

إن التعامل مع هذه الملفات لا يجب أن يتم بشكل منفصل، بل ضمن رؤية استراتيجية تعتبر الثقافة مشروع أمن قومي ناعم، يحمي المجتمع من التفكك، ويعزز الانتماء، ويصنع صورة الدولة في الداخل والخارج.

استعادة الهوية، ونشر القراءة، وتطوير البنية التحتية، وإصلاح الإدارة الثقافية كلها حلقات في سلسلة واحدة. وإذا توفرت الإرادة والرؤية والتنفيذ الجاد، يمكن للحركة الثقافية أن تستعيد دورها المؤثر، وأن تعود الثقافة إلى موقعها الطبيعي: قوة بناء لا هامشًا جانبيًا.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء