رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

لا تمر واقعة تحرش في الشارع المصري دون أن تترك وراءها دخانًا من السجال حول سبب هذه الظاهرة، ولا يخلو الأمر من متنطعين يركبون موجة الحدث ويحاولون الدفاع عن المتحرش، بل واتهام الضحية المتحرش بها بأنها السبب.

لا أعرف كيف تسرب إلينا هذا المنطق الفاسد، بل وأصبح أشبه بالمعتاد والمألوف، في حين أن الأصل في المسألة دائمًا هو أن ينتصر الجموع للضحية ويتعاطفون معها ويدفعونها لأخذ حقها والوقوف معها بكل السبل الممكنة.

لكن يبدو أن هذا المنطق الفاسد يعود إلى عوار ترسخ في المجتمع خلال الآونة الأخيرة، خصوصًا مع وجود تيار يدعي التدين ومحاولته فرض منطقه وقوانينه وشروطه والسعي لتحجيب المجتمع وفرض نوع من الملابس والسلوكيات التي يعتبرونها تتعلق بالدين، في حين أنها لا تخص سوى نفسيات مرضية غالبًا مهووسة.

واقعة الفتاة التي تعرضت للتحرش في المواصلات العامة، وقررت فضح المتحرش وتصويره وتحرير محضر ضده، وجدت دعمًا كبيرًا من النفوس السوية التي تقف مع المنطق السليم وتنتصر للضحية وتحرضها على أخذ حقها بالقانون، وفي النهاية المسألة في يد جهات التحقيق التي من المؤكد ستصل إلى حقيقة القصة وأبعادها. لكن يظل السجال على مواقع التواصل الاجتماعي مستمرًا حول هذه القصة، لدرجة أن البعض يردد جملًا سمجة مثل أن ملابس الفتاة هي السبب. وأحد المتنطعين خرج يعلّق على إكسسوارات تضعها في وجهها. وآخرون علقوا بطريقة سخيفة على منشورات الفتاة، لنجد أنفسنا تقريبًا ليس أمام حالة فردية ولكن أمام جريمة تحرش جماعية من الشخص المتهم والمتعاطفين معه.

لا يتعلق الأمر في رأيي بحادث عابر أو قضية تحولت إلى سجال مجتمعي، بل يتعلق بتحولات خطيرة في البنية الأخلاقية للمجتمع المصري، فلم تكن الملابس في يوم من الأيام مبررًا للتحرش بالفتيات والنساء، ولم نسمع عن شيوع وانتشار ظاهرة التحرش في زمن الميني جيب والميكروجيب، بل بالعكس كان المجتمع متسامحًا ومتصالحًا مع الأمر باعتبارها صرعة العصر وموضة عالمية.

وأتذكر في هذا الوقت خطبة قاسية وخفيفة الظل للزعيم جمال عبد الناصر حين كان يتحدث عن لقائه مع الشيخ الهضيبي مرشد جماعة الإخوان في ذلك الوقت، وقال عبد الناصر إن المرشد طلب منه أن يفرض الحجاب على الناس في الشارع، فتعجب عبد الناصر من الأمر خصوصًا وأن المرشد كان لديه ابنة في كلية الطب وهي غير محجبة، فكيف تطلب من الرئيس فرض الحجاب على الناس في الشارع وأنت لا تفرضه على أهل بيتك؟ والطريف في الخطبة أن شخصًا من الجمهور قام وصاح بعلو صوته مخاطبًا الرئيس: "قل له يلبسه هو".

لكن يبدو أن أفكارًا مغلوطة بخصوص نمط الحياة وطريقة ارتداء الملابس والتعامل في الشارع عمومًا تسربت تدريجيًا إلى مجتمعنا، لتصنع في النهاية نوعًا من التفكير الذكوري الذي يعطي للرجل في العرف الاجتماعي الحق في انتهاك حرية المرأة رافعًا راية الدين أو الأخلاق أو أي شيء آخر، حتى لو كان هو نفسه بعيدًا عن هذين الأمرين. لكن أي حادثة تحرش أصبحت فرصة للمزايدات ولإثبات التفوق الذكوري ومحاولة التمسح بالأخلاق وهؤلاء منها براء، بل هم في الحقيقة يمارسون نوعًا من التحرش الجماعي الذي أصبح آفة مجتمعية. فالأبدى بالأخلاق القويمة السليمة الانتصار للضحية والوقوف مع الضعيف والتضامن مع من يتعرضون للعنف والأذى سواء بشكل مادي أو معنوي.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء