خبير مصرفي: تراجع الدولار وراءه توترات جيوسياسية وخفض الفائدة الأمريكية
قال محمد عبد العال، الخبير المصرفي، إن قراءة حركة الدولار أو الجنيه المصري لا يمكن فصلها عن المشهد الاقتصادي الكامل، مشددًا على ضرورة النظر إلى سعر الصرف والفائدة والاحتياطي النقدي وسياسات البنك المركزي المصري كوحدة واحدة مترابطة، لأن أي تحرك في أحد هذه العناصر ينعكس مباشرة على باقي المؤشرات، موضحًا أن الدولار لا ينخفض فقط أمام الجنيه المصري، بل يشهد تراجعًا ملحوظًا أمام العملات الرئيسية عالميًا، مشيرًا إلى أن مؤشر الدولار الذي كان يتجاوز 100 و110 نقاط في الظروف الطبيعية، يتحرك حاليًا في نطاق 80 إلى 85 نقطة، وهذا التراجع يعود إلى عدة عوامل، في مقدمتها التوترات الجيوسياسية العالمية، والانقسامات السياسية الداخلية في الولايات المتحدة، إلى جانب اتجاهات خفض أسعار الفائدة، ما قلل من جاذبية الدولار كملاذ آمن مقارنة بالعملات والأصول الأخرى.
هل يقوى الجنيه أمام كل العملات؟
وأضاف عبد العال، خلال مداخلة على فضائية DMC، أن تحسن الجنيه المصري لا يقتصر على الدولار فقط، بل يمتد إلى العملات الرئيسية الأخرى مثل اليورو والإسترليني والفرنك السويسري، ولكن بنسب أقل من تحسنه أمام الدولار، موضحًا أن المسألة تخضع في الأساس لآليات العرض والطلب، وطبيعة تسوية المدفوعات الدولية، مؤكدًا أن الاستيراد بعملات غير الدولار يظل مرتبطًا بحسابات سعر تلك العملات مقابل الدولار ثم مقابل الجنيه، وهو ما يفسر اختلاف نسب التحسن من عملة لأخرى.
وأكد أن الجنيه المصري حقق مؤخرًا أداءً تاريخيًا، حيث سجل لأول مرة منذ نحو عامين وشهرين مستويات أقل من 47 جنيهًا للدولار، ليتراوح بين 46.80 و46.90 جنيه، وهو ما يمثل نيو ريكورد جديد في سوق الصرف، وهذا التحسن جاء مدفوعًا بعوامل داخلية بالأساس، وهي التي تقود حركة الجنيه حاليًا، وليس فقط التغيرات الخارجية في سعر الدولار عالميًا.
تدفقات دولارية غير مسبوقة تدعم العملة
وأشار إلى أن الجنيه المصري بات مدعومًا بتدفقات نقدية ضخمة من مصادر متعددة، أبرزها تحويلات المصريين العاملين بالخارج التي تجاوزت 37 مليار دولار، إلى جانب تعافي قطاع السياحة بإيرادات تخطت 20 مليار دولار، وارتفاع الصادرات إلى أكثر من 50 مليار دولار، كما أن قناة السويس بدأت تستعيد معدلاتها التدريجية، فضلًا عن تدفقات الاستثمار الأجنبي غير المباشر، أو ما يُعرف بالأموال الساخنة، التي بلغت نحو 45 مليار دولار وفقًا للبيانات الرسمية حتى سبتمبر الماضي، موضحًا أن هذه الأموال تُدار في حسابات مستقلة ولا تُدمج ضمن الاحتياطي النقدي.
وأوضح أن الاحتياطي النقدي المصري سجل هو الآخر مستوى قياسيًا جديدًا عند نحو 52.5 مليار دولار، مؤكدًا أن أهمية الاحتياطي لا تكمن فقط في استخدامه المباشر، بل في دوره النفسي والاقتصادي في طمأنة المستوردين والمتعاملين مع الخارج، حيث أن وجود احتياطي قوي أنهى ظاهرة التسعير التحوطي، واختفت معه التوقعات المبالغ فيها لسعر الدولار، كما لم تعد هناك معلقات أو تأخيرات في فتح الاعتمادات المستندية.
لماذا لا تنخفض الأسعار رغم تحسن الجنيه؟
وتطرق الخبير المصرفي، إلى السؤال الأبرز لدى الشارع المصري، مؤكدًا أن انخفاض الأسعار لا يحدث بشكل فوري مع تحسن سعر الصرف، لأن دورة الاستيراد تحتاج عادة إلى ما لا يقل عن ستة أشهر حتى تنعكس على السوق، كما أن ثقافة الاحتكار وضعف المنافسة لدى بعض المستوردين والتجار، تلعب دورًا رئيسيًا في تثبيت الأسعار، حيث يعتمد البعض على متوسط تكلفة المخزون وليس على السعر الحالي للدولار.
وشدد على أن زيادة المنافسة، وتوسيع قاعدة المستوردين، وفرض الشفافية والرقابة الصارمة، خاصة على السلع الغذائية، هي المفاتيح الحقيقية لانخفاض الأسعار، مشيرًا إلى أن مجرد التلويح بالاستيراد كما حدث في ملف الدواجن أدى إلى تراجع الأسعار فورًا، حيث أن وتيرة ارتفاع الأسعار بدأت بالفعل في التباطؤ، لافتًا إلى أن معدلات التضخم انخفضت إلى نحو 13 و14%، مع استهداف الوصول إلى 7% ±2% بنهاية 2026.
خفض الفائدة وزيادة الإنتاج الحل النهائي
واختتم الخبير المصرفي، بالتأكيد على أن خفض أسعار الفائدة مستقبلًا سيشجع المصانع على العودة للعمل، ويحفز الاستثمار والإنتاج المحلي، موضحًا أن العائد الحقيقي المرتفع على الجنيه كان دافعًا لتجميد الأموال في البنوك، لكن مع تراجع الفائدة سيعود النشاط الاقتصادي تدريجيًا، وهو ما سيقود في النهاية إلى انخفاض حقيقي ومستدام للأسعار.

