رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

ليست أزمة إثيوبيا اليوم مجرد توتر أمني عابر، ولا محض تعثر اقتصادي يمكن تجاوزه بإصلاحات تقنية، ما يجري أعمق من ذلك بكثير، إنه تداخل معقد بين اقتصاد يترنح، ومجتمع تتآكل طبقته الوسطى، ونخب يعاد تشكيلها، وخطاب سياسي تعبوي يتجه شمالاً نحو البحر الأحمر وجنوباً تجاه الصومال وغرباً إلى السودان في لحظة إقليمية شديدة الحساسية. وفي الداخل، تبدو المعادلة واضحة وإن كانت غير معلنة (حين يضيق الخبز، يعلو صوت السلاح).

منذ حرب الحكومة الفدرالية الإثيوبية في إقليم تغراي في 2020 -عندما كانت إرتريا حليفاً عملياً لأديس أبابا- مروراً بالتوترات في أقاليم أمهرا وأوروميا، دخلت البلاد في حالة استنزاف مركّبة، ورغم اتفاقات تهدئة آيلة للسقوط لم تختفِ جذور الأزمة، ولم يزل التضخم يضغط بقوة، والعملة تعاني، والديون تتراكم، والقدرة الشرائية تتراجع بصورة مؤلمة، وتشهد الطبقة الوسطى التي كانت تمثل صمام أمان نسبي في المدن الكبرى انكماشاً حاداً، بينما تتزايد الأعباء على غالبية المواطنين. وسط هذا المناخ لم يعد الانخراط في المؤسسات الأمنية أو التشكيلات المسلحة مجرد خيار سياسي، بل تحول إلى بديل معيشي.

عودة مليشيا القمح
بصيغ جديدة تعود الآن سياسة "القتال مقابل الغذاء" التي عرفتها إثيوبيا في ثمانينيات القرن الماضي، حين ارتبط الغذاء بالحشد العسكري، لكن اليوم لا تُعلن "مليشيات القمح" كما كان في السابق، فقط منطق الأزمة يعيد إنتاج ذاته عبر شبكات أمنية توفر دخلاً وحماية في اقتصاد مأزوم.

وفي الوقت ذاته، تتسارع إعادة تشكيل النخب الاقتصادية، حيث يتركز رأس المال في يد شبكات محدودة مرتبطة بمراكز النفوذ "العِرقي" و"المذهبي"، ومع تضاؤل الموارد أصبحت هذه التحولات تُقرأ عبر عدسات الهوية والإثنية، فارتفع منسوب الاحتقان، وتحول الصراع الاقتصادي إلى توتر اجتماعي قابل للاشتعال.

في إثيوبيا اليوم، لا يمكن فصل الخبز عن السياسة، ولا السياسة عن البندقية، فالأزمة لم تعد مجرد نزاع مسلح في أطراف البلاد، ولا تعثر اقتصادي عابر، بل تحوّلت إلى بنية كاملة يتداخل فيها الجوع مع التعبئة، والاقتصاد مع الهوية، والخطاب الخارجي مع القلق الإقليمي.

خلال ثمانينيات القرن الماضي، في عهد منغستو هيلي ماريام، تحوّل الغذاء إلى أداة تعبئة عسكرية، كان الانخراط في القتال يعني ضمان الحصة التموينية. سقط ذلك النظام في مايو عام 1991، وظنّ كثيرون أن "مليشيات القمح" أصبحت من بقايا الماضي، لكن بعد أكثر من ثلاثة عقود، تعود الفكرة بأشكال جديدة يظهر فيها القتال بوصفه وسيلة بقاء في اقتصاد مأزوم. القتال هنا لا يُقدَّم كشعار أيديولوجي كما كان في عهد الكولونيل منغستو، بل كشبكة أمان: رواتب، دعم عيني، أولوية في الموارد، حماية محلية. وهكذا يعود "القمح" إلى المعادلة، لا كمحصول زراعي تتباهى به إثيوبيا، بل كحافز تعبئة.

الآن يتقاطع "صراع القمح" مع "صراع الهوية"، لأنه مع ضيق فرص العيش، ارتفع منسوب التعبئة الإثنية، ومع تراجع الدولة عن دورها التنموي تقدم الفاعل المسلح ليملأ الفراغ، ومع كل دورة عنف يترسخ اقتصاد الحرب أكثر، وأصبح السلام مكلفاً للمستفيدين منه.

الأزمة لا تبقى داخل الحدود
تغريدة رئيس الوزراء الإثيوبي أبيي أحمد في 11 فبراير الجاري، بعد لقاء في أديس أبابا بينه وبين فيصل بن فرحان وزير خارجية المملكة العربية السعودية، التي تحدثت عن "تعزيز العلاقات التاريخية" و"توسيع نطاق التعاون"، قدّمت صورة دولة تتحرك بثقة في محيطها.

غير أن تغريدة وزير الخارجية السعودي، التي ركزت على "مستجدات الأوضاع في المنطقة" و"تحقيق الأمن والاستقرار الإقليمي"، عكست قراءة مختلفة تماماً. فالأولى أشارت إلى خطاب طموح سياسي، بينما الثانية كشفت خطاب إدارة مخاطر. هذا التباين في اللغة والأولويات يعكس فجوة في تقدير اللحظة واختلافاً في قراءة المشهد، وهو ليس تفصيلاً بروتوكولياً، لأنه يبين سعي أديس أبابا لتثبيت صورة الدولة الصاعدة، ونظرة الرياض إلى القرن الأفريقي باعتباره منطقة توتر تحتاج إلى احتواء.

في هذا السياق، أشار المعارض الإثيوبي جوهر محمد، مؤخراً، إلى مغادرة معظم فرق "قوات الدفاع الوطني" لإقليم أوروميا متجهة شمالاً نحو تغراي وإريتريا. تزامن ذلك مع اتهامات إثيوبية لإريتريا بالتورط في اعتداءات، في وقت لم يتوقف فيه الخطاب الإثيوبي عن التأكيد أن الحصول على منفذ بحري على البحر الأحمر مسألة "وقت"، سلماً أو حرباً.

هنا يتحول البحر الأحمر من جغرافيا إلى اختبار سياسي. فإثيوبيا، الدولة الحبيسة ذات الثقل السكاني الكبير، ترى في الوصول إلى البحر مسألة استراتيجية، لكن تحويل هذا الطموح إلى خطاب تعبوي في بيئة إقليمية مشتعلة يثير قلقاً مشروعاً.

ويزداد المشهد تعقيداً مع تقرير لـ "رويترز" كشف عن وجود معسكر في إقليم بني شنقول–قمز لتدريب عناصر من قوات الدعم السريع السودانية، يضم نحو 4350 متدرباً بينهم إثيوبيون وجنوب سودانيون. وإذا صحت هذه المعطيات، فإنها تعني أن أديس أبابا لا تقف فقط عند حدود الطموح إلى منفذ بحري، بل تنخرط -بصورة مباشرة- في شبكة صراعات إقليمية مفتوحة. المفارقة أن إثيوبيا تتهم إريتريا بالتورط في شؤونها، بينما تواجه اتهامات مقابلة بالتدخل في صراع السودان. وفي الحالتين، تتناقص صورة "الدولة المستقرة" التي يسعى الخطاب الرسمي الإثيوبي إلى ترسيخها.

خياران وحزمة مخاطر
الخطر الحقيقي لا يكمن في السعي للحصول على المنفذ البحري، ولا في إعادة الانتشار العسكري هنا أو هناك، بل في التقاء ثلاثة عناصر هامة هي اقتصاد داخلي هش، وتعبئة أمنية متصاعدة، وبيئة إقليمية لا تحتمل حرباً جديدة.

تميل إثيوبيا التي تعاني ضغطاً داخلياً حاداً إلى تصدير التوتر نحو الخارج لتعزيز التماسك الداخلي، لكن في القرن الأفريقي، كل خطوة غير محسوبة قد تتحول إلى سلسلة ردود أفعال تتجاوز السيطرة. وهي لا تقف اليوم أمام أزمة عابرة يمكن احتواؤها بخطاب دبلوماسي أو إعادة انتشار عسكري محدود، بل هي أمام مفترق تاريخي حاسم، فاقتصادها يضغط بقوة على المجتمع، وهناك "طبقة عليا جديدة" تتضخم بدفع إثني ورفع مذهبي، وتعبئة أمنية تتوسع، وخطاب يتجه نحو منطقة البحر الأحمر -وهي الأكثر حساسية في الإقليم- كل ذلك يشكل خليطاً قابلاً للاشتعال، ويجعلها أمام اختبار مزدوج: إما أن تفك الارتباط بين الجوع والسلاح عبر إصلاح اقتصادي عميق وتسوية داخلية شاملة، فتدخل الإقليم من بوابة الاستقرار؛ أو أن تسمح لتراكم الأزمات بأن يدفعها نحو مقامرة جيوسياسية في البحر الأحمر، حيث لا يكفي الخطاب لتغيير الوقائع.

التاريخ القريب في القرن الأفريقي يثبت أن الحروب التي تبدأ تحت عنوان "تصحيح وضع استراتيجي" تنتهي غالباً باستنزاف طويل يضرب الداخل قبل الخارج، كما يؤكد أن الحروب التي تبدأ بشعار "مسألة وقت" قد تتحول إلى نزيف طويل لا يعرف أحد كيف ينتهي.

وفي ظل الهشاشة الاقتصادية المتزايدة، فإن أي انزلاق عسكري واسع لن يكون مجرد ملف حدودي، بل تهديداً مباشراً لوحدة الدولة وتماسكها الاجتماعي. وإذا استمرت أديس أبابا في المعادلة الحالية، فإن الربط بين الأزمة الداخلية والطموح الخارجي قد يتحول من أداة تعبئة سياسية إلى شرارة مواجهة إقليمية، فالبحر الأحمر ليس ساحة فراغ، بل فضاء مزدحم بحسابات قوى إقليمية ودولية كبرى، وأي تحرك غير محسوب قد يفتح باباً لا يمكن إغلاقه بسهولة، وقد تجد إدارة أبيي أحمد نفسها أمام وضع يتجاوز قدرتها على التحكم بمساره. وحينها، لن يكون السؤال من يملك منفذاً بحرياً، بل من يملك القدرة على منع الانهيار.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء