بعد جدل منشور يوسف زيدان.. أزهري يوضح حقيقة قصة عبدالله بن أبي سرح|خاص
علق الدكتور غانم السعيد، عميد كليتي اللغة العربية والإعلام السابق بجامعة الأزهر، على ما أثاره الكاتب يوسف زيدان، بشأن قصة عبدالله بن أبي سرح، والتي قدمها باعتبارها دليلًا على وقوع تغيير في كتابة الوحي.

حقيقة قصة عبدالله بن أبي سرح
قال الدكتور غانم السعيد، إن بعض الباحثين قديمًا وحديثًا يثيرون تساؤلات حول دلالة قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِّنْهُمْ﴾، وكذلك حول قصة عبدالله بن أبي سرح، وما ارتبط بها من روايات تتعلق بكتابته للوحي، وارتداده، وأمر النبي -صلى الله عليه وسلم- بإهدار دمه، ثم قبول توبته بشفاعة عثمان بن عفان رضي الله عنه.
وأكد في تصريح خاص لموقع "إيجبتك"، أن الأمانة العلمية تقتضي تناول هذه القضايا بمنهج نقدي منضبط، يفرق بين الصحيح والضعيف، وبين ما ثبت تاريخيًا وما أُلصق بالقصة من زيادات لا أصل لها.
دلالة «الأميين» في القرآن الكريم
وذكر عميد كليتي اللغة العربية والإعلام السابق، أن جمهور المفسرين ذهبوا إلى أن لفظ «الأميين» في الآية الكريمة لا يراد به الجهل بالقراءة والكتابة، وإنما المقصود به قوم لم ينزل عليهم كتاب سماوي سابق، أي غير أهل الكتاب من اليهود والنصارى.
وأشار إلى أن هذا المعنى قرره عدد من كبار المفسرين، منهم الإمام الطبري، الذي اعتبر الأميين هم العرب الذين لا كتاب لهم، والإمام الرازي، الذي أكد أن الأمية هنا وصف ديني جماعي لا معرفي.
ونوه أن السياق القرآني يؤيد هذا الفهم، في قوله تعالى: ﴿وَقُل لِّلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ﴾، حيث جعل الأميين في مقابلة أهل الكتاب، لا في مقابلة المتعلمين.
وأضاف أن حمل «الأميين» على معنى «غير أهل الكتاب» تفسير صحيح لغة وسياقًا، ولا يتعارض مع ثبوت أمية النبي -صلى الله عليه وسلم- من حيث عدم تعلم الكتابة، إذ إن لكل مقام دلالته الخاصة.
حقيقة شفاعة عثمان بن عفان في توبة ابن أبي سرح
وتحدث الدكتور غانم السعيد، عن قصة توسط عثمان بن عفان (رضي الله عنه) في قبول توبة عبدالله بن أبي سرح، موضحًا أن أصل هذه القصة ثابت في كتب السنن والسيرة.
ولفت إلى أنها وردت في سنن أبي داود والنسائي وغيرهما، وحسنها وصححها عدد من أهل العلم، حيث جاء عثمان رضي الله عنه بعبد الله إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- يوم فتح مكة، وطلب منه قبول توبته، فقبلها النبي -صلى الله عليه وسلم- بعد سكوت.
وأردف أن وصف هذا القبول بأنه كان على مضض أو كراهة غير دقيق، مؤكدًا أن سكوت النبي أو تأخره في الإجابة كان للتأديب وتعظيم أمر الجريمة، والتنبيه إلى خطورتها، مع بقاء باب التوبة مفتوحًا.
هل كان عبدالله بن أبي سرح من كتاب الوحي؟
أما بخصوص أنه كان من كتاب الوحي، أفصح الدكتور غانم السعيد، أن الثابت تاريخيًا أن عبد الله بن أبي سرح كان يكتب للنبي صلى الله عليه وسلم، وقد عد في بعض الروايات من كتاب الوحي.
وشدد في الوقت ذاته، على أن الإنصاف العلمي يقتضي التنبيه إلى أنه لم يكن من أشهر كتاب الوحي، ولم يكن منفردًا بالكتابة، كما أن الوحي لم يكن يعتمد على فرد واحد، بل كان يكتب ويراجع ويحفظ بصورة جماعية.
وأكمل أن مجرد كونه كتب للنبي -صلى الله عليه وسلم- لا يترتب عليه ما يدعيه بعض المشككين من شبهات التحريف.
هل كان عبد الله بن أبي سراح يكتب غير ما يمليه له النبي؟
وتطرق العالم الأزهري إلى ما يثار من دعوى أن عبد الله بن أبي سرح كان يكتب غير ما يمليه النبي صلى الله عليه وسلم، مؤكدًا أن هذه الروايات لا تخلو من ضعف واضطراب في أسانيدها.
ونقل في هذا السياق قول ابن كثير رحمه الله: "أكثر ما يروى في ذلك لا يصح".
وتابع أن هذه الدعوى تصادم أصول العقيدة الإسلامية في حفظ الوحي، كما تتعارض مع النصوص القطعية الدالة على عصمة القرآن من التبديل والتحريف.
حقيقة ارتداده وعودته إلى الإسلام
وفيما يخص قصة ارتداده، أوضح الدكتور غانم السعيد، أن عبد الله بن أبي سرح ارتد عن الإسلام فترة من الزمن، وخرج من المدينة إلى مكة، وهو أمر ثابت تاريخيًا.
وأكد أنه عاد إلى الإسلام تائبًا، وأظهر صدق التوبة، وحسن إسلامه بعد ذلك، وعاش مسلمًا مستقيمًا، مشيرًا إلى أن عثمان (رضي الله عنه) ولاه بعض الولايات، ولم ينقل عن أحد من الصحابة إنكار ذلك عليه، وهو ما يدل على قبولهم توبته وثقتهم في استقامته.
إهدار الدم وقبول التوبة
وكشف العميد السابق، أن النبي -صلى الله عليه وسلم- أمر يوم فتح مكة بقتل عدد من الأشخاص لخطرهم العام وجرائمهم السابقة، وكان عبد الله بن أبي سرح في جملتهم.
وأضاف أنه لما جاء تائبًا قبل القدرة عليه، وشفع له عثمان رضي الله عنه، قبل النبي -صلى الله عليه وسلم- توبته، لافتًا إلى أن في ذلك تقريرًا لقاعدة شرعية عظيمة، وهي قبول توبة المرتد إذا جاء تائبًا قبل القدرة عليه، وبيانًا لحكمة النبي الكريم في الجمع بين هيبة الشريعة وسعة الرحمة.
وفي ختام حديثه، أكد الدكتور غانم السعيد أن كثيرًا مما أُثير حول دلالة «الأميين» وقصة عبد الله بن أبي سرح نشأ عن الخلط بين الروايات الصحيحة والضعيفة، أو عن تحميل النصوص ما لا تحتمل.
وشدد على أن المنهج العلمي الرصين يقتضي قراءة هذه القضايا في ضوء قواعد التفسير، ونقد الحديث، ومقاصد الشريعة، بعيدًا عن الإثارة الإعلامية أو توظيف الروايات الجزئية لإثارة الشبهات حول ثوابت الدين.
يوسف زيدان يشعل الجدل بمنشور على فيسبوك
وكان الكاتب يوسف زيدان، قد أثار الجدل على مواقع التواصل الاجتماعي، بعد المنشور الذي كتبه وتناول فيه قصة عبد الله بن أبي سرح.
وكتب زيدان في منشوره: "كان عبدالله من فقراء قريش، وقد أسلم فى وقتٍ مبكر وهاجر مع النبى من مكة إلى المدينة؛ ولأنه كان يجيد الكتابة والقراءة، فقد اختاره النبى ضمن الذين كانوا يكتبون عنه الوحي القرآني، وهم جماعة من الكتاب القرشيين".
وتابع في منشوره: ألا يدعونا ذلك إلى إعادة النظر فى فهمنا للآية القرآنية (هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمْ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ) من زاويةٍ أخرى، غير فكرة الجهل بالقراءة والكتابة، كأن يكون الأمي غير اليهودي.
واستطرد قائلًا: المهم إن «ابن أبى سرح» ظل يكتب الوحي عن النبي زمنًا، حتى فوجئ الجميع يومًا بهروبه من يثرب (المدينة المنورة) إلى مكة (أم القرى)، وهناك قال للمشركين إنه كان يكتب «غير» ما يمليه عليه النبي! فإذا أملى عليه مثلاً «سميعٌ عليم» كتبها «عليمٌ حكيم» ثم يعرض المكتوب على النبي فيُقرُّه، فافتتن الرجل وقال: «ما يدري محمدٌ ما يقول، وإني لأكتبُ له ما شئت، والذى كتبته يُوحي إلي مثلما يُوحى إلى محمد».. وهكذا ارتدَّ الرجل عن الإسلام، وهرب من المدينة إلى مكة.
وأكمل: وقد روت المصادر التاريخية الإسلامية المبكرة والمتأخرة، الواقعةَ السابقة، مسبوقةً بسلسلة الرواة الثقات الذين تناقلوها، وزادت بعضُ هذه المصادر، أن النبىَّ كان يُملِى على «ابن أبى سَرْح» قوله تعالى: (ولقد خلقنا الإنسان من سُلالةٍ من طين.. ثم أنشأناه خَلْقاً آخر) فقال ابن أبى سَرْح وقد بهرته الآيات: (فتبارك الله أحسن الخالقين) فقال له النبي صلى الله عليه وسلَّم: اُكتبْها فإنها نزلت هكذا.
وواصل: وعلى هذا النحو، كاد الرجل يُحدث فتنةً عظيمةً بين الناس، مما دعا النبي إلى إهدار دمه يوم فتح مكة، لكن ابن أبي سرح لم يُقتل، فقد اختبأ فى بيت الصحابي الجليل (والخليفة من بعدُ) عثمان بن عفان، الذى كان أخاه فى الرضاعة، وتوسط عثمان (ذو النورين) وأخذ «المرتدَّ» إلى مجلس النبي، وألحَّ عليه فى قبول توبة عبدالله بن أبي سَرْح، حتى وافق النبى على مضضٍ، ثم قال بعدما بايعه: أما كان لهذا الكلب مَنْ يقتله؟ فقال رجلٌ من الأنصار ما معناه: يا رسول الله كنتُ أنظر إليك وعثمان يحاورك، عساك تومئ لى (تغمز) فأقوم وأقتله، فقال النبى: ما كان لنبىٍّ أن يومئ، وليس فى الإسلام إيماءٌ ولا فتك.