رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

في ظل سيولة جيوسياسية لم يشهدها النظام الدولي منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، ولحظات ارتباك إقليمي، تبرز الدولة المصرية كموازن استراتيجي تسعى لإعادة صياغة التوازنات الإقليمية وفق رؤية تتجاوز مفهوم إدارة الأزمات إلى ترسيخ الاستقرار البنيوي. فلم تعد السياسة الخارجية المصرية مجرد رد فعل على التحديات الآتية من حزام النار، بل تحولت إلى استراتيجية استباقية تستند إلى مفهوم "الأمن القومي الشامل"، انطلاقًا من مفهوم شامل للأمن القومي لا ينفصل فيه السياسي عن الاقتصادي، ولا الإقليمي عن الدولي.

حيث تعتمد السياسة الخارجية المصرية مقاربة تعدد المحاور بوصفها أداة تحرّر من الاستقطاب الدولي الحاد. فبينما تحافظ القاهرة على شراكاتها الاستراتيجية التاريخية مع الولايات المتحدة وأوروبا، توسّع في الوقت ذاته دوائر انفتاحها شرقًا عبر الانضمام إلى تكتل “بريكس” وتعزيز علاقاتها مع روسيا والصين والهند. هذه المقاربة لا يمكن اختزالها في تنويع مصادر التسليح أو الاستثمار، بل تمثل هندسة دبلوماسية دقيقة تمنح مصر هامش مناورة أكبر، وتجعل منها الرقم الصعب في أي تسوية دولية تتعلق بالشرق الأوسط أو أفريقيا.

في الدوائر المشتعلة، تتعامل القاهرة بعقيدة مزدوجة تجمع بين الردع والوساطة. ففي القضية الفلسطينية، تجاوز الدور المصري حدود الوسيط التقليدي لتصبح مصر هي الضامن الإقليمي لمنع تصفية القضية، وتقف حائط صد ضد مخططات التهجير، وتعمل على محاصرة النفوذ الإسرائيلي مستندة إلى القانون الدولي وقرارات الشرعية الدولية، وحشد المواقف العربية والإسلامية والدولية. أما في دوائر العمق الاستراتيجي، من ليبيا إلى السودان وصولًا إلى القرن الأفريقي، فتطبّق مصر سياسة “منع الانهيار”. فقد شكّل إعلان الخط الأحمر في ليبيا نقطة تحول أوقفت انزلاق الدولة إلى حرب شاملة، بينما تنخرط القاهرة في السودان للحفاظ على مؤسسات الدولة ومنع تفككها. وفي الصومال والبحر الأحمر، تعيد مصر تثبيت حضورها كقوة وازنة لحماية أمن الملاحة الدولية ومواجهة أي محاولات للمساس بسيادة الدول الوطنية.

تنطلق الرؤية المصرية من قناعة راسخة بأن الأمن لا يتحقق دون تنمية، وأن الاستقرار السياسي هشّ إذا لم يستند إلى مصالح اقتصادية متبادلة، وأن استمرار الصراعات الإقليمية يستنزف مقدرات الدول ويقوّض فرص التنمية، لذا تقود مصر حراكًا دبلوماسيًا نشطًا لإعادة ترميم منظومة الأمن القومي العربي، نحو إعادة هندسة الإقليم.

من الأراضي الفلسطينية المحتلة وسوريا ولبنان إلى ليبيا والسودان والصومال، مرورًا بالقرن الأفريقي واليمن وإيران، كما يعكس الانفتاح المحسوب على تركيا وإيران وباكستان براغماتية سياسية تسعى إلى تقليل تكلفة الصراع وتحويل التنافس إلى فرص تعاون اقتصادي وتنموي، دون التفريط في الثوابت الاستراتيجية. لذلك تتركز التحركات المصرية على تأمين الممرات الملاحية الحيوية، وفي مقدمتها قناة السويس والبحر الأحمر، وبناء تكتلات طاقوية إقليمية مثل منتدى غاز شرق المتوسط، بما يحوّل المصالح الاقتصادية إلى ضمانة عملية لاستدامة السلام والتوازن.

 بل هو حجر الزاوية لاستقرار الإقليم بأكمله، وأن الأمن القومي المصري يبدأ من القرن الأفريقي ولا ينتهي إلا عند آخر حدود المشرق العربي.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء