مفاوضات الفرصة الأخيرة، هذا كان العنوان الأكثر تداولًا للتعليق على المفاوضات الأمريكية – الإيرانية في العاصمة العُمانية مسقط، سلطنة عُمان، مع الوسطاء الإقليميين كلٍّ من مصر، والمملكة العربية السعودية، وتركيا، وقطر، نجحوا في فتح نافذة للحوار وسط تصعيد عسكري غير مسبوق بعد حرب الاثني عشر يومًا في يونيو 2025. الوسطاء نجحوا أولًا من خلال التواصل والوساطة المباشرة مع طرفي النزاع، وثانيًا من خلال رفض هذه الدول المركزية في الشرق الأوسط، وبشكل قاطع، لشبح الحرب الشاملة، وسيناريوهات تفكيك الدولة وإسقاط النظام في إيران.
التصريحات الصادرة من أطراف الأزمة والوسطاء عقب الاجتماع، كلها إيجابية، وحتى رئيس الوزراء الإسرائيلي الأكثر تشددًا تجاه إيران قال: "نريد تعديل سلوك طهران لا تغيير النظام". وهي تصريحات تعزز من فرضية أن جميع الأطراف لديهم الرغبة في تجنب الصدام العسكري، على الأقل في الوقت الراهن، خاصة مع فشل أمريكي في إيجاد أو تخليق نظام بديل للنظام الحالي في طهران.
تحديد الأسبوع الحالي كموعد لجولة جديدة من المفاوضات يعني أن المتفاوضين في سلطنة عُمان نجحوا، على الأقل، في وضع إطار للعمل قابل للنقاش والتفاوض حوله، ما ينزع فتيل الأزمة مؤقتًا. لكن، ورغم كل هذه الأجواء والمؤشرات الإيجابية، لا تزال هناك عقبات رئيسية؛ أولى هذه العقبات ما أسماه وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي "الحائط المرتفع من عدم الثقة"، وهو محق في ذلك، فضربات يونيو 2025 بدأت أثناء التفاوض. ثم ثاني هذه العقبات سقف المطالب المرتفعة لكل طرف؛ إيران تصر على أن المباحثات هي تقنية نووية فقط، تتعلق بنسب التخصيب ورفع العقوبات، بينما الولايات المتحدة، ومن خلفها إسرائيل، تصران على إدراج برنامج الصواريخ الباليستية، ودعم طهران للفصائل والأذرع الإقليمية فيما يُعرف بمحور الإسناد والمقاومة على طاولة المفاوضات، وهو ما ترفضه طهران وتعتبره خطًا أحمر يمس سيادة القرار الإيراني. وحتى فيما يتعلق بالتخصيب؛ الولايات المتحدة تريد تصفير قدرات إيران النووية كشرط لرفع الضغوط، في المقابل تتمسك إيران بحق التخصيب وتعتبره خطًا أحمر، وأن التفاوض يدور حول العودة لنسبة التخصيب المتفق عليها سابقًا ما بين 1.5 إلى 3% بدلًا من نسبة الـ 60% الحالية.
أما ثالث هذه العقبات فهي استراتيجية التفاوض الأمريكية القائمة على المفاوضة تحت الضغط والنيران. مشاركة الأدميرال براد كوبر، قائد القيادة المركزية الأمريكية (سنتكوم)، لأول مرة في تاريخ المفاوضات مع إيران بزيه العسكري ضمن الوفد الأمريكي المفاوض، هي رسالة أمريكية ذات دلالة واضحة، مفادها أن طهران أمام خيارين لا ثالث لهما: إما التفاوض والتوصل لاتفاق، أو المواجهة العسكرية. ثم أكدت واشنطن على تلك الرسالة ميدانيًا من خلال تحرك الأرمادا العسكرية الأمريكية في بحر العرب بقيادة حاملة الطائرات يو إس إس أبراهام لينكولن، وإسقاط مسيّرة إيرانية اقتربت منها قبل يومين من جولة التفاوض، وهو استعراض للجاهزية العملياتية.
واقتصاديًا، وفي نفس يوم المباحثات، فرضت واشنطن عقوبات على 15 كيانًا إيرانيًا، و14 سفينة من أسطول الظل النفطي. كما وقّع الرئيس ترامب أمرًا تنفيذيًا يقضي بفرض رسوم جمركية على أي دولة تتعامل تجاريًا مع إيران. وهنا أشهرت الولايات المتحدة كافة أسلحتها للضغط. وحتى الإعلان عن جولة جديدة من التفاوض هذا الأسبوع، ورغم إيجابيته، إلا أنه في الوقت ذاته يشكّل أداة ضغط أمريكية على إيران، ويعكس رغبة الرئيس الأمريكي في حسم هذا الملف بسرعة من جانب، وعدم السماح لطهران بممارسة لعبة شراء الوقت التي كانت تمارسها مع الأوروبيين ومع الوكالة الدولية للطاقة الذرية من جانب آخر.
ختامًا، تظل محادثات مسقط 2026 عالقة في المنطقة الرمادية؛ والنتائج التي سوف تنتهي إليها هي من سوف تحدد هل كانت عملية تفاوض حقيقية أم مجرد مسرحية سياسية، مجرد "شو أمريكاني" يهيئ الساحة لعرض الانفجار الكبير والأخير…