رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

البرلمان يستعد لمرحلة حاسمة.. خطوات دستورية وقانونية عقب إعادة الرئيس لقانون الإجراءات الجنائية

مجلس النواب
مجلس النواب

 في خطوة تعكس التكامل بين السلطات في مصر، وجّه الرئيس عبد الفتاح السيسي برد مشروع قانون الإجراءات الجنائية إلى مجلس النواب، وذلك لبحث الاعتراضات على عدد من مواده. 

هذا القرار، الذي جاء استنادًا إلى نص المادة (123) من الدستور، يضع البرلمان أمام مسؤولية دستورية وقانونية تتطلب منه اتخاذ إجراءات محددة لمراجعة القانون، وهو ما يفتح الباب أمام مرحلة جديدة من النقاش التشريعي.

 

الأساس الدستوري: حق الاعتراض الرئاسي ومساراته الإجرائية

وفقًا للمادة (123) من دستور 2014، يمتلك رئيس الجمهورية الحق في الاعتراض على أي مشروع قانون أقره مجلس النواب، بشرط أن يرده إليه خلال ثلاثين يومًا من إبلاغه. 

وإذا لم يقم الرئيس برد القانون في هذا الميعاد، يُعتبر القانون ساريًا ويتم إصداره. 

أما في حالة الرد، فإن اللائحة الداخلية لمجلس النواب تحدد بوضوح المسار الإجرائي الواجب اتباعه.

توضح المادة (177) من اللائحة الداخلية لمجلس النواب الإجراءات الواجبة في حالة اعتراض الرئيس، حيث يتم عقد جلسة عاجلة لهذا الغرض، ويجوز خلالها دعوة رئيس مجلس الوزراء للإدلاء ببيان. 

وفي الجلسة نفسها، يُحال الاعتراض وما يتعلق به من بيانات إلى اللجنة العامة لدراسة المشروع، والمبادئ، والنصوص محل الاعتراض، وأسبابها الدستورية أو التشريعية.

بعد دراسة اللجنة العامة، يُعرض تقريرها على المجلس للنظر فيه على وجه الاستعجال. وهنا، يمتلك البرلمان خيارين دستوريين:

الخيار الأول: إذا وافق المجلس على اعتراض رئيس الجمهورية، سيتم تشكيل لجنة خاصة لإعادة دراسة المشروع وتعديل نصوصه بما يتوافق مع الملاحظات التي تم إقرارها.

الخيار الثاني: إذا أصر المجلس على مشروع القانون الذي سبق إقراره، يجب أن يحظى هذا الإصرار بموافقة أغلبية ثلثي عدد أعضائه، وفي هذه الحالة، يُعتبر القانون ساريًا ويتم إصداره مباشرة.

ويتم إبلاغ رئيس الجمهورية بتقرير مفصل حول القرارات والإجراءات التي اتخذها المجلس في هذا الشأن، وفقًا للمادة (178) من اللائحة الداخلية.

محتوى الاعتراض الرئاسي.. بين الضمانات الجديدة والإيجابيات القائمة

جاء قرار الرئيس برد مشروع القانون الذي تم إقراره من قبل مجلس النواب بتاريخ 26 أغسطس 2025، بعد أن وردت إليه مناشدات عديدة لإعادة النظر في بعض مواده. وتركزت الاعتراضات على عدة جوانب تتعلق بـالحوكمة، والوضوح، والواقعية. 

وتضمنت أسباب الرد:

حماية الحقوق: ضرورة إعادة دراسة المواد لتحقيق المزيد من الضمانات المقررة لـحرمة المسكن وحقوق المتهم أمام جهات التحقيق والمحاكمة.

بدائل الحبس الاحتياطي: زيادة بدائل الحبس الاحتياطي للحد من اللجوء إليه، وهو ما يتماشى مع التوجهات الحديثة للعدالة الجنائية.

وضوح الصياغة: إزالة أي غموض في الصياغة القانونية يؤدي إلى تعدد التفسيرات أو وقوع مشاكل عند التطبيق على أرض الواقع.

إتاحة الوقت للتطبيق: منح الوزارات والجهات المعنية الوقت الكافي لتنفيذ الآليات والنماذج المستحدثة في القانون والإلمام بأحكامه لضمان التطبيق الدقيق والسلس.

من ناحية أخرى، أشار الرئيس في قراره إلى تقديره لجهود مجلس النواب في إقرار مشروع القانون، ونوه بالإيجابيات التي تضمنها لأول مرة، مثل:

تنظيم إجراءات منع المتهمين من السفر ووضعهم على قوائم ترقب الوصول.

استحداث إجراءات التعويض المادي عن الحبس الاحتياطي في حالات محددة وتخفيض مدده.

إدخال إجراءات التحقيق والمحاكمة وتجديد الحبس عن بعد باستخدام وسائل تقنية المعلومات.

وضع آليات لحماية الشهود، وتعزيز التعاون القضائي الدولي في المسائل الجنائية.

إدخال تعديلات جوهرية على نصوص قانون الإجراءات الجنائية الساري.

وتؤكد هذه الخطوة على أهمية التفاعل بين السلطات في تحقيق الإصلاح التشريعي، وتوحي بأن القانون الجديد سيخرج بصورة نهائية أكثر توازنًا ودقة، بما يضمن تحقيق العدالة الناجزة في إطار من احترام الدستور والقانون وصون حقوق المواطنين.

البرلمان يرحب بإعادة قانون الإجراءات الجنائية ويصفه بـ"أرقى صور ممارسة الصلاحيات الدستورية"

 وأصدر مجلس النواب بيانًا رسميًا أعلن فيه تلقيه خطابًا من الرئيس عبد الفتاح السيسي، يعترض فيه على عدد من مواد مشروع قانون الإجراءات الجنائية، وذلك عملاً بحكم المادة (123) من الدستور.

ووصف المجلس في بيانه خطاب الرئيس بأنه "يفيض بحس وطني عميق، وبصيرة دستورية نافذة، وحرص صادق على أن يظل البناء التشريعي في مصر قائمًا على أسس متينة من الوضوح والإحكام والتوازن"، مؤكدًا أن القرار يضمن عدم تغليب جانب على آخر، أو طغيان العدالة الناجزة على ضمانات الحرية.

ورحب مجلس النواب "ترحيبًا عظيمًا" بهذا التوجيه الرئاسي، مؤكدًا أنه يمثل "أرقى صور ممارسة الصلاحيات الدستورية" ويعكس "وعيًا استثنائيًا بقدسية العدالة الجنائية ومكانتها في صون السلم العام وحماية المجتمع".

وأوضح المجلس أن قرار الرئيس ليس مجرد ممارسة لحق دستوري، بل هو "تجسيد حي لنهج سياسي راسخ" يؤمن بأن حماية الحقوق والحريات "ليست منّة تُمنح، وإنما هي التزام دستوري أصيل".

 وشدد على أن "العدالة لا تستقيم إلا إذا اقترنت باليقين والوضوح والإنصاف"، مشيرًا إلى أن عودة الرئيس بهذا الاعتراض تضيف "بعدًا آخر من الدقة والاكتمال".

كما ثمن المجلس هذا الموقف "البالغ الدلالة"، واعتبره إعلاءً لقيمة الحوار بين المؤسسات وتجسيدًا للشراكة الرفيعة بين رئيس الجمهورية والسلطة التشريعية، حيث تتلاقى الإرادات لتحقيق مصلحة الوطن وصيانة حقوق الشعب.

واستنادًا إلى حكم المادة (177/فقرة 3) من اللائحة الداخلية للمجلس، فقد تقرر إدراج الاعتراض في أول جلسة عادية للمجلس بدور الانعقاد العادي السادس، يوم الأربعاء الموافق الأول من أكتوبر 2025. 

كما تقرر دعوة الدكتور مصطفى مدبولي، رئيس مجلس الوزراء، للإدلاء ببيان في هذا الشأن، لضمان إعادة النظر في المواد محل الاعتراض بما يليق بـ"عزيمة مصر على أن يكون قانونها الجنائي الجديد نموذجًا يُحتذى في الدقة التشريعية، وصون حقوق الإنسان، وترسيخ منظومة عدالة جنائية متكاملة تكفل سيادة القانون وصون الحقوق".

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء