في عالمنا المتواصل بلا رجعة، وفي ظل الانفجار المعلوماتي الذي تشهده البشرية لأول مرة في تاريخها، كنتيجة طبيعية لثورة المعلومات والاتصالات، ظهر لنا تحديات جديدة لم نكن ندري عنها شيئًا، تحديات علينا التفكير فيها بصورة جلية، والعمل على التعامل معها بالأدوات المستحدثة، لنتمكن من مجابهة مخاطرها، والتي من الممكن أن تكون جسيمة ومدمرة.
ومن أهم هذه التحديات هي القدرة على التأثير على الرأي العام من خلال الإنترنت بشكل عام ومنصات التواصل الاجتماعي بشكل خاص، وذلك بواسطة نشر الأفكار الهدامة والأخبار المزيفة والمفبركة لجمهور المتعاملين على الإنترنت، والبالغ عددهم أكثر من نصف سكان الكرة الأرضية. وهذا ما حدث في بقاع الأرض المختلفة، بدءًا بما كان يُسمى بثورات الربيع العربي في بلادنا، ومرورًا بالانتخابات الأمريكية في عامي 2016 و2020، ووصولًا إلى ما يُطلق عليها حركة "حياة السود مهمة" Black Lives Matter Movement في الولايات المتحدة، والحرب الروسية الأوكرانية المستعرة منذ فبراير 2022، وحتى الآن.
فمع انتشار الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي، حدث تغير مذهل في كيفية تواصلنا واستهلاكنا للمعلومة. اليوم، مرتادو الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي لديهم القدرة على المشاركة بالمحتوى الخاص بهم أو نشر أي محتوى آخر يخص الغير، سواء كان الغير جهات رسمية أو مجرد أفراد عاديين، أو حتى حسابات مزيفة تم تخليقها بالذكاء الاصطناعي، وكذلك التفاعل اللحظي مع أي خبر أو محتوى، مما أسس لحراك فكري وتبادل معرفي لم تعرفه البشرية من قبل، وذلك بعكس وسائل الإعلام التقليدية، التي تعتمد على نشر المعلومة أو الخبر في اتجاه واحد فقط بدون أي إمكانية للتفاعل مع هذا المحتوى.
ولكن على الجانب الآخر، هناك أخطار ومخاوف من هذا الأسلوب المستحدث لإنشاء المحتوى والتعامل معه وإعادة نشره، ومنها استخدام البعض وسائل التواصل الاجتماعي لنشر الدعاية الكاذبة والمعلومات المضللة وخطاب الكراهية والتطرف، من خلال توظيف خوارزميات الذكاء الاصطناعي بمنتهى الحرفية لهذا الغرض، كما أشار الباحث نيلول فتح وفيق بالجامعة الإسلامية بإندونيسيا، في مقاله المنشور على موقع Modern Diplomacy في مايو من العام 2023، وخاصة أن مصدر المعلومات للكثير منا أصبح هو ما يتم نشره وتداوله على المنصات مثل إكس (تويتر سابقًا) وفيسبوك وإنستجرام والواتس آب وغيرهم، وبدون حتى التأكد هل تلك المعلومات هي معلومات صحيحة وموثقة، أو هي معلومات تم التلاعب بها بحسن أو سوء نية، أو هي مجرد معلومات ناجمة عن هلاوس بعض مرتادي المنصات الرقمية.
ومع تطور مفاهيم واستخدامات الذكاء الاصطناعي التوليدي Generative AI، أصبح الأمر أكثر خطورة، حيث يمكن لأي شخص سؤال روبوتات الدردشة عن أي شيء والإجابة عليه في ثوان معدودات، بناءً على المعلومات المتوفرة لديه والتي تم تغذيتها له، سواء كانت معلومات مدققة أو معلومات مضللة، كما أصبح من الممكن استخدام تلك الأدوات لإنتاج محتوى بالصوت والصورة للمشاهير، ولكنه مزيف بالكامل باستخدام مفاهيم التزوير العميق Deep Fake، وبالتالي إعادة نشر تلك المعلومات مرة أخرى على منصات التواصل الاجتماعية باستخدام هاشتاج نشط، لتلاقي انتشارًا أوسع وأشمل، لندخل في حلقة مفرغة لا تنتهي ومفزعة في ذات الوقت.
وفي سابقة طريفة في هذا الشأن، قام الدكتور إيثان موليك، أستاذ إدارة الأعمال في كلية وارتون بجامعة بنسلفانيا العريقة، بنشر مقطع فيديو على منصة لينكد إن وهو يلقي محاضرة حول موضوع يعرفه جيدًا وهو "ريادة الأعمال". للوهلة الأولى، يبدو مقطع الفيديو المنشور منطقيًا وطبيعيًا لأي فرد لا يعرف الدكتور موليك شخصيًا، ولكن في حقيقة الأمر كان الفيديو مزيفًا بالكامل عن طريقه هو شخصيًا، كما صرح بذلك على حسابه على منصة إكس في 10 فبراير 2023 بقوله: "بصورة شخصية واحدة و60 ثانية من الصوت، يمكنك تكوين فيديو مزور باستخدام مفهوم التزوير العميق وأدوات ذكاء اصطناعي رخيصة التكلفة في دقائق معدودة، لقد جربته بنفسي، وكانت النتائج مذهلة، حتى لو لم تكن مقنعة تمامًا."
واستطرد الدكتور موليك حول هذا الأمر في حواره مع موقع NPR في مايو 2023، بقوله إنه استخدم برنامج الدردشة الآلية ChatGPT، وقال له: "اكتب نصًا سيقوله إيثان موليك عن ريادة الأعمال". وقد قام البرنامج بتخليق نص مرضٍ جدًا للدكتور موليك، وهو الخبير في هذا المجال. ثم قام باستخدام أداة رقمية أخرى يمكنها استنساخ الصوت من مقطع صوتي قصير له. وقال موليك: "لقد أمضيت دقيقة واحدة أتحدث فيها عن موضوع غير ذي صلة مثل الجبن، ثم قمت بتغذية هذه الأداة بنص الخطاب الذي تم تخليقه بالذكاء الاصطناعي، ومن ثم قام الذكاء الاصطناعي بإنشاء الملف الصوتي الخاص بي والمتعلق بريادة الأعمال، بدون تدخل مني." وأخيرًا، قام موليك بإدخال هذا الصوت وصورة لنفسه في تطبيق آخر للذكاء الاصطناعي. وقال موليك: "تلك الأداة قامت بدمج النص الموضوع لها، وتم تحريك فمي وكذلك العينين بشكل أقرب للطبيعي، وهز كتفي أيضًا كأني أتحدث. وكان هذا كل ما احتاجه. لقد كانت عملية سريعة وسهلة ورخيصة." وكل ما أنفقه موليك هو 11 دولارًا وثماني دقائق فقط لإنجاز هذا العمل!
وعلق موليك في نهاية حديثه للموقع: "في النهاية، جعلتني هذه التقنية - أنا الشخص المزيف - ألقي محاضرة زائفة لم ألقيها في حياتي بصوتي المزيف، لكن يبدو الأمر كأنني قمت بذلك فعلاً".
ونشر موليك تجربته على الإنترنت كدليل توضيحي وتحذير من أن المخاطر الناجمة عن هذا النوع من الذكاء الاصطناعي ليست في المستقبل البعيد، بل إنها موجودة بالفعل في وقتنا الراهن. وقال: "أعتقد أن الناس ليسوا قلقين بما فيه الكفاية بشأن هذا الأمر. أنا شخص مؤيد لهذه التكنولوجيا في كثير من النواحي، لكنني أعتقد أيضًا أننا لسنا مستعدين لمواجهة الآثار الاجتماعية المترتبة على قدرتنا على خداع الناس على نطاق واسع. وفكرة أنه يمكنك القيام بذلك بدون أي مهارات هو ظاهرة جديدة."
بدون شك، المخاوف بشأن التزييف العميق موجودة منذ سنوات، ولكن الأمر المختلف الآن هو أن التكنولوجيا تطورت وأصبحت في متناول أي شخص لديه هاتف ذكي أو جهاز كمبيوتر. وحاليًا، يتندر الناس باستخدام تلك التقنيات في النكات والميمات على صفحاتهم على منصات التواصل الاجتماعي، مثل ما يحدث على تطبيق تيك توك من استخدام لمقاطع الفيديو التي تستخدم الصوت الاصطناعي لمحاكاة الرؤساء: دونالد ترامب وباراك أوباما وجو بايدن وهم يلعبون ألعاب الفيديو.
ولكن التزييف العميق يُستخدم بالفعل لتحقيق أهداف سياسية. فلقد قام جاك بوسوبيك، الناشط الأمريكي اليميني المعروف بترويجه لنظرية مؤامرة Pizzagate، بإنشاء مقطع فيديو مزيف للرئيس بايدن في 27 مايو 2023، وهو يعلن عن مشروع لإرسال جنود أمريكيين إلى أوكرانيا. وهذا يعني ببساطة بداية الحرب العالمية الثالثة حرفيًا، ودخول العالم في كارثة كبرى سوف تمتد لسنوات طويلة، ولا يعلم أحد إلا الله كيف ستنتهي. وبينما أوضح بوسوبيك أن الفيديو كان مزيفًا تم إنشاؤه بواسطة الذكاء الاصطناعي، فقد وصفه أيضًا بأنه "معاينة مسبقة، ومناطق جذب قادمة، ولمحة عن العالم الآن".
وعلى الرغم من ذلك، واصل العديد من الأشخاص مشاركة الفيديو دون أدنى تنويه عن أنه غير حقيقي، بقصد أو بدون قصد. وكذلك شاهد الملايين من مستخدمي منصة إكس صورًا مزيفة تم إنشاؤها بواسطة الذكاء الاصطناعي تصور ما قد يبدو عليه الأمر إذا تم القبض على الرئيس السابق ترامب، وسط تكهنات بأن هيئة محلفين كبرى في نيويورك قد توجه الاتهام للرئيس السابق قريبًا. كما تم أيضًا تداول صورة مزيفة محتملة للزعيم الصيني شي جين بينج أثناء اجتماعه مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين على نطاق واسع عبر الإنترنت.
كما حددت شركة الأبحاث Graphika أول حالة معروفة لعملية تأثير، يعتقد أنها مرتبطة بحكومة دولة، باستخدام التزييف العميق في أواخر العام الماضي. ووجد الباحثون أن الروبوتات المؤيدة للصين تشارك مقاطع فيديو إخبارية مزيفة، تضم مذيعين تم إنشاؤهم بواسطة الذكاء الاصطناعي، على فيسبوك وإكس. كما يستخدم المحتالون صوتًا مزيفًا لسرقة الأموال من خلال التظاهر بأنهم أفراد من العائلة في أزمة.
وقال جاري ماركوس، الأستاذ في جامعة نيويورك: "إن المحيط البيئي للمعلومات سوف يصبح ملوثًا، وإننا لسنا مستعدين لما يعنيه العيش في عالم مليء بالمحتوى الناتج عن الذكاء الاصطناعي، وأخشى أن يؤدي الوصول على نطاق واسع إلى هذه التكنولوجيا إلى تآكل قدرتنا على الثقة في أي شيء نراه عبر الإنترنت. حيث يمكن للأشخاص السيئون أن يأخذوا إحدى هذه الأدوات ويستخدموها لتقديم كميات لا يمكن تصورها من المعلومات الخاطئة المعقولة والمرعبة والتي لن يتعرف عليها الشخص العادي على أنها معلومات مضللة."
والحقيقة أني أؤيده في هذا الأمر قطعًا!
وهنا فكرت: ماذا نحن مقبولون عليه؟ وماذا نحن فاعلون لمكافحة هذا العبث غير المسبوق والذي ينتشر كانتشار النار في الهشيم، وخاصة أن كل شيء، بالمعنى الحرفي لكل شيء، أصبح قابلاً للتزوير في هذا الفضاء السيبراني، وليس فقط التزوير، بل التصديق أيضًا كحقيقة دامغة؟
هل سيكون الحل بوقف استخدام هذه النوعية من التطبيقات؟ لا أظن أن هذا الحل من الممكن تطبيقه!
هل سيكون الحل بالرجوع إلى مصادر المعلومات التقليدية، كما كان الحال في عصر ما قبل منصات التواصل الاجتماعي، مثل الجرائد والمجلات المطبوعة أو التلفزيون والراديو؟ ربما، وإن كنت لا أظن أن هذا الحل يمت للواقع بأي صلة!
هل سيكون الحل بسن القوانين والتشريعات الصارمة التي تعاقب من يقوم بهذه الأمور بالعقوبات المشددة؟ لا أظن، إلا كانت الحكومات على استعداد لوضع مليارات البشر في السجون!
هل سيكون الحل بزيادة وعي المستخدم للمنصات ومساعدته على التفريق بين ما هو حقيقي وما هو مزيف لدرجة يصعب تمييزها؟ هذا أيضًا أمر ليس بالهين، ولكن علينا أن نبدأ بالنشء والشباب وجعل هذه الأمور ضمن المواد الدراسية للطلاب في مراحل الدراسة المختلفة، لخلق جيل قادر على التمييز في هذا الخضم المرعب من المعلومات!
هل سيكون الحل باستخدام التكنولوجيا ذاتها لتعقب من يتعمد بناء ونشر الأخبار الكاذبة والمزيفة؟ قد يكون هذا هو الحل كبداية، لحين تكوين عقل جمعي قادر على التمييز، وهذا يتطلب أيضًا من أباطرة المنصات الرقمية، أمثال إيلون ماسك ومارك زوكربيرج، التدخل بصورة أكثر جدية، لمنع تخليق الحسابات المزيفة من أساسه، والعمل على تطهير المنصات منها، ومحاربة الأخبار المضللة والمزيفة من المصدر!
في رأيي المتواضع، أظن أن الحل أيضًا في وجود عقد اجتماعي جديد بين الحكومات والبشر، تكون التكنولوجيا واستخداماتها الجديدة في قلب المنظومة، لحين وصول البشرية لمرحلة نضج جديدة، وهذا قد يستغرق منا جمعيًا بعض الوقت!
وعلى البشرية إعادة حساباتها بعيدًا عن استخدام سلاح الترند والهاشتاج والمعلومات المزيفة والكتائب الإلكترونية، لأن الجميع سيكون خاسرًا في هذه الحرب الجديدة، الحرب على العقول!
ولكن علينا أيضًا الاستعداد لهذا العالم الجديد الذي يتشكل الآن، وأن نكون طرفًا فاعلًا وليس مفعولًا به، حيث إنه في هذا العالم الجديد كل شيء سيكون قابلًا للتزييف لدرجة أن الحقيقة ستكون هي الشيء الذي يصعب تصديقه!