رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

الوقف القبطي بين الدولة والكنيسة.. من النزاع إلى الاستقرار

أرشيفية
أرشيفية

يعد الوقف القبطي نموذجا لتحول قانوني مهم في إدارة الأصول التاريخية، فانتقل من مرحلة الضم والتجميد إلى الاسترداد والتنظيم ، وهو ليس مجرد ملف مالي، بل ركيزة أساسية لدور الكنيسة الاجتماعي، وجزء لا يتجزأ من منظومة الوقف المصرية التي تعكس تنوعها الديني والتاريخي.
 

كما يعد الوقف القبطي أحد أقدم نظم الوقف في مصر، وهو نظام قانوني واجتماعي متجذر لعب دورا محوريا في دعم العبادة والخدمة الاجتماعية والتعليم عبر قرون طويلة ، غير أن هذا الملف ظل، لعقود، محل نزاع إداري وقانوني بين الكنيسة والدولة، قبل أن يشهد في السنوات الأخيرة تحولات جوهرية أعادت رسم خريطة إدارة الأوقاف القبطية ووضعها القانوني.

من الناحية القانونية  ينقسم الوقف القبطي إلى ثلاثة أنواع رئيسية بحسب الغرض منه: أولها  " الأوقاف الخيرية العامة " وهي  أطيان خُصص ريعها لخدمة الفقراء والمحتاجين، وتمويل المدارس والمستشفيات والملاجئ التابعة للكنيسة ، ويُنظر لهذا النوع باعتباره امتدادا مباشرًا للدور الاجتماعي للكنيسة داخل المجتمع المصري.

وثانيها  " أوقاف العبادة " وهي الأصول المخصصة للإنفاق على الكنائس والمنشآت الدينية، بما يشمل أعمال الصيانة، وتوفير مستلزمات الطقوس الكنسية، وضمان استمرار الخدمة الدينية دون الاعتماد الكامل على التبرعات.

أما النوع الثالث فهو " أوقاف الأديرة " وهي في الغالب مساحات واسعة من الأراضي الزراعية المحيطة بالأديرة أو التابعة لها، وتهدف إلى تحقيق الاكتفاء الذاتي للرهبان وإعالة عمال الأديرة وخدمة المجتمع المحيط بها ، وقد شهد هذا النوع تطورا ملحوظا خلال العقود الأخيرة، مع تحوله إلى مشروعات زراعية وإنتاجية منظمة و ناجحة .

 

وتنتشر الأوقاف القبطية في أغلب محافظات الجمهورية، مع تركز واضح في القاهرة والجيزة في صورة عقارات سكنية وتجارية، خاصة في مناطق وسط البلد ومصر القديمة وشبرا، وفي محافظات الصعيد، مثل المنيا وأسيوط وسوهاج، تتركز الأوقاف الزراعية التاريخية التابعة للإيبارشيات والأديرة ، كما تمتد الأوقاف إلى المناطق الصحراوية، لا سيما وادي النطرون والبحر الأحمر، حيث تقع الأديرة الكبرى التي تمتلك نطاقات واسعة من الأراضي.


قانونيًا، تُدار الأوقاف القبطية من خلال هيئة أوقاف الأقباط الأرثوذكس  التي أُنشئت بقرار جمهوري عام 1960، وتعد الجهة الرسمية المختصة بإدارة الأصول الوقفية الكبرى ، ويضم مجلس إدارتها البابا بطريرك الكنيسة الأرثوذكسية، إلى جانب أعضاء من المجمع المقدس وشخصيات عامة.

ويكمل هذا الدور المجلس الملي العام الذي يمارس اختصاصات رقابية وتنسيقية في بعض الملفات الإدارية والقانونية، خاصة ما يتعلق بالأوقاف التابعة للإيبارشيات. في المقابل يتمتع  رؤساء الأديرة بقدر من الاستقلالية في إدارة أوقاف الأديرة، وذلك بموافقة البطريرك ووفقًا للوائح المنظمة.

شهد ملف الوقف القبطي تحولًا جذريًا منذ خمسينيات القرن الماضي، حين خضعت بعض الأوقاف لإشراف الدولة، سواء عبر وزارة الأوقاف أو هيئات الإصلاح الزراعي ، واستمر هذا الوضع لعقود، ما أدى إلى تعطل استغلال مساحات واسعة من الأراضي والعقارات، ودخول الكنيسة في نزاعات قضائية طويلة.

التحول الأبرز بدأ مع صدور قانون رد الأوقاف عام 1973 الذي نص على إعادة الأعيان الموقوفة إلى جهاتها الأصلية، سواء كانت إسلامية أو مسيحية ، إلا أن التطبيق العملي ظل بطيئا حتى السنوات الأخيرة، حيث شهدت الفترة الحالية تفعيل لجان مشتركة بين الدولة وهيئة أوقاف الأقباط لفض التشابكات التاريخية.

وقد أسفرت هذه الجهود عن تسليم الكنيسة مئات العقارات والأراضي الزراعية في محافظات مختلفة، وتقنين أوضاع ممتلكات ظلت معطلة لعقود بسبب تعقيدات التسجيل والحجج الوقفية القديمة.

ويتجه ملف الوقف القبطي اليوم  نحو مرحلة أكثر استقرارا، تقوم على التنسيق المؤسسي بدلا من الصراع القضائي ، كما توسعت الكنيسة في استغلال أوقافها عبر مشروعات تنموية، خاصة في القطاع الزراعي، بما يعزز الاستفادة والاستدامة.

ورغم ذلك، يبقى التحدي القانوني الأكبر متمثلًا في إثبات الحجج الوقفية القديمة  إذ فقد بعضها أو تآكل بفعل الزمن، ما يتطلب جهودا كبيرة في الأرشفة والتوثيق والتسجيل العقاري.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء