بعد تحالفها مع إسرائيل لعقود.. ما الذي دفع بريطانيا للاعتراف بفلسطين!؟
لا شك أن إعلان بريطانيا وكندا وأستراليا الاعتراف بدولة فلسطين يمثل نقطة تحول في طريقة مقاربة الغرب للقضية الفلسطينية.
فطوال عقود ظل هذا الاعتراف حبيس الدول النامية أو بعض الأطراف الأوروبية ذات التأثير المحدود، أما الآن فالمشهد مختلف، إذ إن دولا مركزية بعضها عضو في مجموعة السبع، اختارت أن تعلن موقفها بوضوح لصالح الدولة الفلسطينية. وما يزيد من وزن هذه الخطوة أنها تأتي بينما تستمر إسرائيل في حرب دامية على قطاع غزة، الأمر الذي يمنح الاعتراف بُعدا أخلاقيا وسياسيا يتجاوز كونه مجرد إجراء دبلوماسي.
توقيت بالغ الدلالة
التوقيت أيضا بالغ الدلالة، إذ ارتبط بإعلان المواقف خلال انعقاد اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، بما يعكس رسالة رمزية موجهة إلى العالم، وقد يدفع ذلك مزيدا من الدول إلى السير في الاتجاه نفسه خلال الفترة المقبلة.
لكن ما الذي دفع هذه الدول لتغيير موقفها من القضية الفلسطينية؟ هناك عاملان رئيسيان:
أولا، تحولات الرأي العام. في بريطانيا، تشير الاستطلاعات إلى أن أغلبية المواطنين تؤيد الاعتراف بفلسطين، فيما يرى نصف السكان تقريباً أن العمليات الإسرائيلية في غزة تفتقد إلى المبرر.
أما في الولايات المتحدة، فقد أظهرت استطلاعات أخرى أن نسبة معتبرة من الأمريكيين باتت تعتبر ما يجري في غزة إبادة جماعية، وأن التعاطف مع إسرائيل يتراجع بشدة لدى فئة الشباب والديمقراطيين. هذه المؤشرات، لأنها قائمة على أسس علمية، تعكس تغيرا عميقا في المزاج الشعبي الغربي.
ثانيا، الموقف السياسي. لندن وصفت قرارها بأنه محاولة لحماية فرص السلام وإنقاذ حل الدولتين، بينما ربطت أوتاوا الاعتراف بإصلاحات فلسطينية وانتخابات مقبلة، فيما وضعت كانبيرا القرار ضمن مساعيها لدعم الاستقرار الإقليمي. وعلى الرغم من اختلاف المبررات، إلا أن القاسم المشترك بينها جميعا هو توجيه رسالة صريحة بأن سياسات الاحتلال والاستيطان لم تعد تمر بلا ثمن سياسي.
تقليل من قيمة هذه الاعترافات ووصفها بأنها مجرد رمزية
إسرائيل من جانبها قللت من قيمة هذه الاعترافات ووصفتها بأنها مجرد رمزية، لكن الرمزية هنا تأخذ طابعا استراتيجياً عندما تصدر من عواصم كبرى مثل لندن وباريس وأوتاوا وكانبيرا. فهذه الخطوات لن تحل الصراع بشكل مباشر، لكنها تمنح الفلسطينيين ثقلا سياسيا وقانونيا إضافيا، وتدفع الغرب إلى إعادة التفكير في شكل العلاقة مع إسرائيل.
ولا يعني ذلك أن الغرب بصدد التخلي عن تحالفه مع تل أبيب، لكنه إشارة واضحة إلى أن الدعم لم يعد مطلقا، وأن زاوية النظر لم تعد تقتصر على «أمن إسرائيل» فقط، بل باتت تشمل أيضا الحقوق الفلسطينية والشرعية الدولية. هذه نقلة نوعية في الخطاب وفي طبيعة الاصطفافات السياسية.
الأخطر بالنسبة لإسرائيل ليس فقط هذا الاعتراف الرسمي، بل ما يجري على مستوى الرأي العام الغربي. فالشبكة التي لطالما وفرت لها غطاء سياسيا وشعبيا بدأت تتآكل، خاصة بين الأجيال الشابة التي لا تتأثر بالإعلام التقليدي بقدر ما تصوغ وعيها عبر منصات التواصل والفضاء الرقمي. استطلاعات الرأي الأخيرة في الولايات المتحدة تكشف تراجعاً كبيراً في دعم إسرائيل بين الشباب الديمقراطيين والإنجيليين دون الثلاثين، وهو منحى يتكرر في بريطانيا وفرنسا.
وبقدر ما تراهن إسرائيل على تحالفاتها التاريخية، فإن فقدان ثقة الأجيال الجديدة ينذر بمزيد من العزلة مع مرور الوقت. الاعترافات الغربية الأخيرة لن توقف الحرب، لكنها تعكس أن الوضع القائم لم يعد قابلا للاستمرار، وأن الغرب إذا لم يفتح أفقا حقيقيا للدولة الفلسطينية فسيخسر ما تبقى له من مصداقية، وهي خسارة أشد خطورة على إسرائيل من أي تهديد عسكري مباشر