اجتاحت وسائلَ التواصل الاجتماعي خلال الأسبوع الماضي موجةٌ واسعة من الاعتراضات والاحتجاجات، على خلفية أغنية مسيئة للنبي صلى الله عليه وسلم، حيث بادر الشباب والفتيات إلى تبادل خبراتهم ووعيهم الرقمي حول سبل حظر المحتوى المسيء والحد من انتشاره، إدراكًا منهم لخطورة تضخيمه عبر التداول العشوائي.
وقد عكس هذا التفاعل الجماعي مشهدًا لافتًا يجسد حضور الشعور الديني الحي في وجدان الجيل الشاب، وقدرته على توظيف أدوات العصر للدفاع عن مقدساته بأسلوب واعٍ ومسؤول. كما عكس هذا التفاعل مدى مقاومة العقل الشبابي للباطل الذي يتنافى مع الثوابت الدينية والأخلاقية.
ولا خلاف في مشروعية هذه المقاومة، ولا في وجاهة تلك المشاعر المتأججة الغيورة، فهي ردٌّ طبيعي على اعتداء سافر على مقام خاتم النبيين صلى الله عليه وسلم، ذلك المقام الذي تمثل سيرته نموذجًا فريدًا للعظمة الإنسانية المتكاملة. فالتاريخ حافل بالعظماء في مختلف العصور، غير أن عظمة كل واحد منهم غالبًا ما ارتبطت بمجال بعينه، بينما اجتمعت في شخصية رسول الله صلى الله عليه وسلم أوجه العظمة كلها دون استثناء، حتى بدت عظمته ممتدة الآفاق، عصية على الحصر.
وحياته صلى الله عليه وسلم، بلغة العصر الحديث، أشبه بمخزون هائل من "الملفات المضغوطة" التي لا تزال تنتظر من يفك شفراتها، ليستخرج ما تختزنه من كنوز معرفية وأخلاقية وإنسانية قادرة على إلهام الأفراد والمجتمعات عبر الأزمنة.
ومن الخطأ الظنّ أن هذه الإساءات الموجهة إلى نبيّ الإنسانية صلى الله عليه وسلم ظاهرةٌ طارئة أو وليدة اللحظة؛ فهي قديمة قدم العصور الوسطى في أوروبا، غير أنها ظلت آنذاك حبيسة بطون الكتب، محدودة الأثر، لافتقار تلك الأزمنة إلى أدوات الانتشار السريع والتأثير الواسع.
أما اليوم، فقد منحت وسائل الاتصال الحديثة لمثل هذه الأصوات الهامشية قدرةً مضخّمة على الظهور، وهو ما يستدعي تعاملًا عقلانيًا هادئًا لا ينجرّ خلف الاستفزاز.
فمهما بلغت حدة هذه الإساءات، ومهما اتسع نطاق تداولها، فإنها لن تنال من مقام نبينا صلى الله عليه وسلم ولا من مكانته الراسخة وعظمته الخالدة؛ إذ تكفّل الله سبحانه بحمايته من سخرية المستهزئين وأذى أصحاب النفوس المريضة، كما قال تعالى: "إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ" (سورة الحجر: 95).
ولعلّ الأهم، من وجهة نظري، ألا نظل أسرى منطق ردّ الفعل في التعامل مع هذه الإساءات، وألا نكتفي دائمًا بصياغة الرواية المضادّة التي تنتظر الفعل المسيء ثم تسارع إلى تفنيده. فالأجدى والأكثر تأثيرًا هو امتلاك زمام المبادرة، عبر تقديم قراءة عصرية متجددة لسيرة المصطفى صلى الله عليه وسلم، قراءة تتجاوز الدفاع الظرفي إلى التعريف الجوهري، وتعكس ــــ لغير المؤمن به، وللمؤمن الذي لم يتعمق في سيرته العطرة ـــــ الثراء الإنساني الفريد في حياة النبي صلى الله عليه وسلم، وهو جانب لا يزال، في تقديري، دون ما يستحقه من البحث والدراسة والتمحيص.
ومن هنا تبرز الحاجة إلى مشروع عالمي كبير للسيرة النبوية، تُوحَّد فيه الجهود، وتُتبادل الخبرات، وتشارك فيه مؤسسات دينية وسطية وعلماء من مختلف أنحاء العالمين العربي والإسلامي.
فواقعنا الفكري يشهد بوجود مراكز بحثية رائدة قطعت شوطًا مهمًا في تبسيط السيرة النبوية، وأخرى نجحت في تقديمها برؤية معاصرة متصلة بقضايا العصر، وثالثة واجهت بأسلوب علمي رصين الأسئلة والشبهات المثارة حول أحداثها؛ غير أن جمع هذه الجهود في إطار مؤسسي عالمي سيمنحها قدرة أكبر على التأثير والاستدامة والوصول إلى العالم بلغاته وثقافاته المختلفة.
إن هذه الجهود المباركة، على أهميتها، لا تزال في حاجة ماسّة إلى قدرٍ أعلى من التشبيك والتكامل، وإلى نقلها من إطارها النخبوي المحدود إلى الفضاء الإنساني الواسع، عبر ترجمتها إلى لغات متعددة، وتدشينها على مختلف وسائط المعرفة الحديثة؛ من الكتب الأكاديمية الرصينة، إلى المؤلفات المبسطة، وقصص الأطفال، والمحتوى المرئي والمسموع بمختلف أشكاله. فالقضية في جوهرها ليست إنتاج المعرفة فحسب، بل إيصالها إلى الإنسان حيثما كان، وباللغة والأسلوب الأقرب إلى وعيه وواقعه. وبهذا نكون قد أدّينا بعض واجبنا تجاه نبينا صلى الله عليه وسلم، وأسهمنا في إيصال رسالته السامية، القائمة على الرحمة والسلام، إلى العالم أجمع. صلى الله على محمد، صلى الله عليه وسلم.