لم تكن زيارة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إلى مصر حدثًا بروتوكوليًا عاديًا، ولا مجرد صفحة جديدة في العلاقات بين القاهرة وأنقرة. فاللافت أن اللقاء جمع رئيسين لا يشتركان فقط في إدارة دولتين محوريتين في الشرق الأوسط، بل يشتركان أيضًا في عام الميلاد نفسه (1954).
كأن الزمن نفسه قرر أن يغلق دائرة بدأت قبل سبعين عامًا تقريبًا (عمر الرئيسين السيسي وأردوغان)، في ذلك العام، كانت المنطقة مختلفة تمامًا، عالم عربي يعيش ذروة المد القومي، وحرب باردة تشكّل خرائط النفوذ، ودول ما زالت تبحث عن هويتها الحديثة.
وفي العام نفسه وُلد طفلان.. أحدهما في حي قاسم باشا بإسطنبول، والآخر في حي الجمالية بالقاهرة. كبر الاثنان داخل بيئات شعبية، لا داخل قصور الحكم، وتدرّجا في السلم السياسي، وهما من أبناء البسطاء، لا من عائلات حاكمة.
بعد عقود، يقف الرجلان وجهًا لوجه، ليس كسياسيين فقط، بل كجيل كامل وصل إلى مرحلة إعادة ترتيب المنطقة لا تغييرها. فجيل الستينيات كان جيل الشعارات الكبرى، وجيل السبعينيات كان جيل الحروب والتحولات، أما جيل 1954، جيل الرئيسين السيسي وأردوغان، فهو جيل إدارة التوازنات.
لهذا بدت الزيارة أقرب إلى مصالحة عصر مع عصر، لا مجرد مصافحة بين رئيسين.
فالسياسة أحيانًا تُكتب بالقرارات، وأحيانًا أخرى يكتبها الزمن نفسه.