تطرح التطورات الأخيرة في الخليج إشكالية مركبة تتجاوز ظاهر الأحداث، وتتمثل في التزامن اللافت بين تصاعد السلوك العسكري الإيراني، ولا سيما من قبل الحرس الثوري، وبين الحديث المتزايد عن دفع مسار المفاوضات النووية مع الولايات المتحدة. هذا التزامن لا يمكن قراءته باعتباره تناقضًا بمحض الصدفة أو خللًا في التنسيق داخل الدولة الإيرانية، لكن يعكس نمطًا متكررًا في إدارة طهران لعلاقاتها التفاوضية، يقوم على المزج المقصود بين الضغط الميداني والانفتاح الدبلوماسي.
فالحوادث التي شهدها الخليج وبحر العرب، من اقتراب زوارق تابعة للحرس الثوري وطائرات مسيرة من سفن أمريكية، إلى إسقاط مقاتلة أمريكية لمسيرة إيرانية بعد اقترابها بشكل وُصف بالعدائي من حاملة طائرات، جاءت في توقيت بالغ الحساسية، بالتوازي مع مساعٍ دبلوماسية لترتيب محادثات نووية جديدة بين واشنطن وطهران. هذا السلوك يعكس رغبة إيرانية واضحة في التأكيد على امتلاك أدوات ضغط فعّالة في المجالين العسكري والأمني، واستخدامها كورقة تفاوضية تهدف إلى تحسين شروط التفاوض، وليس بالضرورة إلى تفجير مسار التهدئة بالكامل.
من هذا المنطلق، يمكن فهم استهداف أو تهديد الأصول الأمريكية في الخليج بوصفه رسالة محسوبة ، مفادها أن إيران قادرة على رفع كلفة استمرار الضغوط الأمريكية، وأن أي تفاوض لا يأخذ في الاعتبار مصالحها الأمنية والاقتصادية سيظل محفوفًا بمخاطر التصعيد. في الوقت ذاته، تحرص طهران على إبقاء هذه الرسائل دون سقف الحرب الشاملة، بما يسمح لها بالتحرك داخل هامش “الضغط المضبوط”، الذي لا يغلق باب التفاوض، بل يسعى إلى دفع واشنطن للتعامل بجدية أكبر.
وفي السياق ذاته، يكتسب طلب إيران نقل المفاوضات من تركيا إلى سلطنة عمان دلالة سياسية لا تقل أهمية عن الرسائل العسكرية. فالقناة العمانية تمثل بالنسبة لطهران وسيطًا موثوقًا يتمتع بتاريخ طويل من إدارة الحوارات الحساسة مع الولايات المتحدة بعيدًا عن الضغوط الإعلامية والحسابات الإقليمية المعقدة. كما أن إصرار إيران على الصيغة الثنائية للمفاوضات يعكس رغبة واضحة في حصر النقاش في الملف النووي، وتجنب توسيع الأجندة لتشمل ملفات الصواريخ الباليستية أو النفوذ الإقليمي ودور الجماعات الحليفة، وهي ملفات ترى طهران أنها تمثل خطوطًا حمراء، بينما تعد أولوية قصوى لدول إقليمية أخرى.
هذا التوجه يتقاطع مع مؤشرات سياسية متزامنة داخل إيران وخارجها، بدءًا من الحديث عن إعداد إطار تفاوضي، مرورًا بتأكيدات أمريكية بأن طهران تتعامل بجدية مع الحوار، وصولًا إلى تحركات إقليمية لافتة شملت اتصالات ووساطات من قطر وسلطنة عمان وتركيا، مع اهتمام مصري واضح بمتابعة مسار التهدئة. ويعكس هذا الحراك إدراكًا إقليميًا متزايدًا بأن أي صدام مباشر بين واشنطن وطهران ستكون كلفته باهظة على استقرار المنطقة ككل.
غير أن هذا المسار التفاوضي يظل محفوفًا بجملة من التعقيدات. فالولايات المتحدة تسعى إلى اتفاق أوسع يتجاوز النووي ليشمل تفكيك جوانب من البرنامج الصاروخي الإيراني، والحد من دعم طهران لحلفائها الإقليميين، في حين تصر إيران على الفصل بين المسارات، وتفضيل معالجة الملف النووي أولًا. ويضاف إلى ذلك الدور الإسرائيلي، الذي ينظر بعين الشك إلى أي اتفاق لا يحقق تفكيكًا كاملًا للقدرات النووية الإيرانية، وقد يسعى إلى عرقلة المفاوضات أو فرض شروط مشددة عليها.
ختاماً لا يعكس التناقض الظاهري بين التصعيد العسكري والدفع نحو المفاوضات ارتباكًا في السياسة الإيرانية، بقدر ما يعبر عن استراتيجية تفاوضية قائمة على استخدام القوة المحدودة كأداة سياسية. فإيران تسعى إلى دخول المفاوضات من موقع قوة، وتوجيه رسالة مزدوجة مفادها أنها منفتحة على التسوية، لكنها في الوقت نفسه تمتلك القدرة على التصعيد إذا ما فُرضت عليها شروط تراها مجحفة. وبين هذين المسارين، يبقى مصير المفاوضات مرهونًا بقدرة الطرفين على بناء حد أدنى من الثقة، وبنجاح الجهود الإقليمية في منع انزلاق المنطقة إلى مواجهة مفتوحة لا يرغب فيها أي من الأطراف، رغم استمرار الاستعداد لها.