رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

معركة طرد الدبلوماسيين: غزة تشعل تصاعد الأزمات بين إسرائيل وجنوب إفريقيا

العدوان الإسرائيلي
العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة - أرشيفية

وصلت العلاقات الإسرائيلية – الجنوب إفريقية خلال الفترة الأخيرة إلى طريقٍ مسدود، على خلفية أزماتٍ متراكمة سببتها الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة، واتخاذ جنوب إفريقيا مواقف واضحة تجاه حالة الإبادة الجماعية الممارسة من قبل تل أبيب بحق السكان المدنيين في قطاع غزة.

تُعدّ جنوب إفريقيا من أوائل الدول، ليس فقط على المستوى الإفريقي بل أيضًا على المستوى العالمي، في التصدي للانتهاكات الإسرائيلية تجاه سكان غزة، إذ اتخذت بريتوريا العديد من الإجراءات المناهضة للاحتلال الإسرائيلي، مثل التحرك على المستوى القانوني الدولي لإدانة الانتهاكات الإسرائيلية، حيث رُفعت دعوى من قبل بريتوريا أمام محكمة العدل الدولية تتهم فيها إسرائيل بارتكاب جرائم إبادة جماعية ضد الفلسطينيين في قطاع غزة.

رئيس جنوب إفريقيا
رئيس جنوب إفريقيا

أزمة دبلوماسية

ساهم التحرك الجنوب إفريقي أمام محكمة العدل الدولية في تصعيد الأزمة الدبلوماسية بين الطرفين، ففي ذلك الوقت خفّض البلدان مستوى التمثيل الدبلوماسي بينهما إلى أدنى الدرجات.

ورغم ضعف التمثيل الدبلوماسي بين الجانبين، شهد الطرفان خلال اليومين الماضيين تصعيدًا حادًا في الأزمة الدبلوماسية، خاصة يوم الجمعة الموافق 30 يناير 2026، حيث تبادل الطرفان طرد المسؤولين الدبلوماسيين واعتبارهم أشخاصًا غير مرغوب فيهم، وإمهالهم 72 ساعة لمغادرة البلاد.

بدأت الأزمة في بريتوريا حين ضجّت جنوب إفريقيا من تصرفات القائم بأعمال السفارة الإسرائيلية في بريتوريا، "أريئيل سيدمان"، بسبب انتهاكاته المستمرة للأعراف والممارسات الدبلوماسية وتحديه المستمر والمباشر للسيادة الوطنية في جنوب إفريقيا، وذلك وفق ما عبّرت عنه وزارة العلاقات الدولية والتعاون في بيان رسمي لها، وأمهلته 72 ساعة لمغادرة البلاد فورًا.

رحلات تهجير للفلسطينيين إلى جنوب إفريقيا
رحلات تهجير للفلسطينيين إلى جنوب إفريقيا

وأوضح بيان الوزارة الجنوب إفريقية أن سيدمان دأب على ممارسة الانتهاكات الدبلوماسية من خلال الاستخدام المتكرر لمنصات التواصل الاجتماعي الرسمية لإسرائيل وشن هجمات مستمرة على الرئيس الجنوب إفريقي سيريل رامافوزا، والتقاعس المتعمد عن إبلاغ السلطات في بريتوريا بجدول زيارات المسؤولين الإسرائيليين رفيعي المستوى إلى جنوب إفريقيا. لذا رأت جنوب إفريقيا أن مثل هذه التصرفات تُعد انتهاكًا مباشرًا للسيادة الوطنية وإساءة بالغة للامتيازات الدبلوماسية، وخرقًا جوهريًا لاتفاقية فيينا للعلاقات الدبلوماسية، كما أنها أضعفت الثقة البروتوكولية بين الطرفين.

وجدير بالذكر أن سيدمان يشغل منصبه كقائم بالأعمال الإسرائيلية بعد استدعاء السفير الإسرائيلي من بريتوريا في نوفمبر 2023، وذلك ردًا على سحب جنوب إفريقيا دبلوماسيها في أكتوبر 2023 عقب تصعيد الحرب في غزة.

رد الفعل الإسرائيلي

لم تتوانَ إسرائيل في رد فعلها، ولم تمنح نفسها الفرصة للتحقيق في الادعاءات الجنوب إفريقية، إذ أبلغت وزارة الخارجية الإسرائيلية على الفور كبير ممثلي جنوب أفريقيا الدبلوماسيين في تل أبيب، الوزير شون إدوارد باينفيلدت، بضرورة مغادرة البلاد خلال 72 ساعة، واعتباره شخصًا غير مرغوب فيه، واعتبرت التحرك الجنوب إفريقي بمثابة هجوم مغرض على إسرائيل، مؤكدة أن تل أبيب بصدد اتخاذ خطوات إضافية في الوقت المناسب.

مظاهرات ضد إسرائيل في جنوب إفريقيا
مظاهرات ضد إسرائيل في جنوب إفريقيا

الأزمة الدبلوماسية الجارية بين بريتوريا وتل أبيب تُعد من أبرز ارتدادات الأزمة بين البلدين، والتي بدأت مع انطلاق معركة "طوفان الأقصى" في 7 أكتوبر، حيث تُعد جنوب إفريقيا من أوائل الدول التي اتخذت العديد من المواقف الدبلوماسية والسياسية الرائدة المناهضة للإبادة الجماعية في غزة، ومن بينها على سبيل المثال:

أولًا: التقدم بدعوى أمام محكمة العدل الدولية

بعد نحو شهرين من حرب غزة، وتحديدًا في 29 ديسمبر 2023، قدمت جنوب إفريقيا دعوى قضائية أمام محكمة العدل الدولية تتهم فيها إسرائيل بارتكاب جرائم إبادة جماعية في قطاع غزة، وذلك انتهاكًا لاتفاقية الأمم المتحدة لعام 1948 المتعلقة بمنع جرائم الإبادة الجماعية.

ثانيًا: عمليات تهجير الفلسطينيين إلى جنوب إفريقيا

في منتصف نوفمبر 2025، فوجئت السلطات في جنوب إفريقيا برحلات جوية غامضة هبطت في مطار جوهانسبرغ، حاملة 153 فلسطينيًا قادمين من قطاع غزة، وكأنها محاولة لتهجير هؤلاء الفلسطينيين قسرًا إلى جنوب إفريقيا، ومن دون تخطيط مسبق مع السلطات الجنوب إفريقية.

وضعت رحلات اللاجئين الفلسطينيين الغامضة السلطات في جنوب إفريقيا في حالة حرج شديد، خاصة أن البلاد لديها سجل واضح في مسألة استضافة اللاجئين، إذ رفضت في أوقات سابقة استقبال لاجئين أفارقة من دول النزاعات الإفريقية الأشد خطورة، مثل السودان والكونغو الديمقراطية. لذا وُضعت بريتوريا أمام تحديين، أولهما موقفها من القضية الفلسطينية، وثانيهما موقفها الرافض لاستقبال اللاجئين. وإزاء هذا الحرج الدبلوماسي، انتصرت بريتوريا لموقفها الأول وقررت السماح لهؤلاء اللاجئين بدخول البلاد.

تم إجراء تلك الرحلات الغامضة بواسطة شركة مملوكة لإسرائيلي في إستونيا تُدعى "المجد"، لذا دارت الاتهامات الجنوب إفريقية حول نية إسرائيل تهجير الفلسطينيين إلى القارة الإفريقية، وأن هذه العملية تُعد باكورة تلك العمليات. كما دارت الشكوك حول تورط إسرائيل في العملية، خاصة أن المهاجرين خرجوا من قطاع غزة دون أية أختام إسرائيلية على تأشيرات خروجهم، ما يعني وجود تواطؤ إسرائيلي لإخراجهم من قطاع غزة.

رحلات تهجير للفلسطينيين إلى جنوب إفريقيا
رحلات تهجير للفلسطينيين إلى جنوب إفريقيا

ثالثًا: المناورات مع إيران

واصلت الأزمة الإسرائيلية – الجنوب إفريقية ذروتها خلال منتصف يناير الماضي، حين دعت بريتوريا طهران للمشاركة في مناورات وتدريبات بحرية خلال الفترة من 9 يناير حتى 16 يناير الماضي. وشاركت في تلك المناورات العديد من القطع البحرية الجنوب أفريقية والصينية والروسية، كما شاركت مصر بصفة مراقب، وشاركت إيران أيضًا بقطع بحرية مملوكة للجيش وقطع أخرى تابعة للحرس الثوري الإيراني.

حاولت بريتوريا تخفيف وطأة المشاركة الإيرانية في المناورات، بادعاء عدم السماح لإيران بالمشاركة وانسحابها من المناورات، إلا أن العديد من شهود العيان أفادوا بأن قطعًا بحرية إيرانية كانت تبحر يوميًا من ميناء كيب تاون إلى منطقة المناورات خلال فترة إجرائها.

أدت المشاركة الإيرانية في المناورات السابقة إلى زيادة الغضب الغربي على جنوب إفريقيا، خاصة أن هذه المشاركة تزامنت مع تزايد الاحتجاجات الإيرانية المناهضة للنظام في ذلك الوقت.

ختامًا:

 يبدو أن جنوب إفريقيا تتجه إلى حالة من التصعيد السياسي مع إسرائيل خلال الفترة المقبلة، لكن يظل التساؤل مطروحًا: إلى متى ستبقى جنوب إفريقيا في حالة العداء الدبلوماسي مع إسرائيل، خاصة في ظل تصاعد الانتقادات داخل بريتوريا لسلوك حكومة جنوب إفريقيا، والذي كان سببًا في تزايد الغضب الأمريكي على سياساتها، واحتمالية تعرضها لحزمة من العقوبات الأمريكية، أبرزها حرمان جنوب إفريقيا من الاستفادة من قانون النمو والفرص، الذي يتيح لمنتجاتها الدخول إلى السوق الأمريكية دون أية عوائق جمركية.

محمد الدابولي*

باحث في السياسات الدولية

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء