في اليوم الأخير لترام الرمل.. وداعٌ عميق لأيقونة الإسكندرية
توقف أمس ترام الرمل في خط سيره قبل وقت قليل من وصوله إلى محطة الشبان المسلمين، كأنه لا يريد ترك الأماكن والناس، هؤلاء الذين ارتبطوا به، كما ارتبطوا بالأرض التي تربّى فيها هذا القطار العتيق، على امتداد أكثر من 160 عامًا من تاريخ المدينة.
لم يكن ترام الإسكندرية مجرد وسيلة مواصلات، بل ذاكرة حية لأجيال من السكندريين، الذين رافقوا رنين أجراس عرباته في شوارع عروس البحر الأبيض المتوسط منذ ستينيات القرن التاسع عشر، حين بدأ في العمل باستخدام الخيول قبل أن يتحول إلى الدفع البخاري ثم الكهربائي عام 1897.

وبينما كان الترام يصدح كما اعتدنا، في واقعة التوقف الأخير، اخترق صدى توقفه لحظة وداعٍ مفاجئة شعورًا بالحزن في نفوس من تعلقوا به.
هذا الارتباط العاطفي بين الإنسان والأشياء، كما يؤمن كثيرون، ليس مجرد ارتباط وظيفي، بل ذاكرة شعورية تراكمت عبر سنوات من التعايش اليومي، تلك الروح التي نتذكرها عندما يقرر شيء تركنا فجأة وتنقلب الذكريات إلى حاضر مؤلم.
في أثناء توديع الترام العتيق، جسّد السكندريون قصصهم اليومية الممتدة بين محطات المدينة، من رأس التين إلى فيكتوريا، وكيف كان الترام جزءًا لا يتجزأ من وجدانهم وحياة المدينة اليومية.

لم يكن هذا الوداع نهاية بل بداية لمرحلة تطويرية واسعة، فقد أعلنت وزارة النقل عن إيقاف خدمة ترام الرمل مؤقتًا في إطار مشروع تحديث شامل يهدف إلى تحويل خط الترام إلى وسيلة نقل عصرية وكفؤة، يضاعف سرعته ويزيد طاقته الاستيعابية، ويقلّص زمن الرحلة بين المحطات، كما يقلّل الانبعاثات ويحدّ من التلوث.
حسب تفاصيل المشروع المعلن عنها، ستزداد قدرة الترام على نقل الركاب من نحو 4700 شخص في الساعة إلى نحو 13,800 في الاتجاه الواحد.

كما ستنخفض فترة الرحلة من نحو 60 دقيقة إلى 35 دقيقة تقريبًا، مع تقليص الفواصل الزمنية بين العربات.
ذلك كله يأتي في إطار رؤية أوسع لتحديث منظومة النقل الجماعي بمدينة الإسكندرية وربطها بشبكات النقل الحديثة الأخرى، من بينها خط مترو الإسكندرية الجاري إنشاؤه، بما يعزز الانتقال إلى نظم مواصلات أكثر أمانًا واستدامة.
رد فعل أهالي الإسكندرية لم يخلو من المشاعر المتباينة، فبين من يرى أن التطوير ضرورة حتمية لمواكبة النمو السريع للمدينة، هناك من يشعر بحزن عميق لفقدان جزء من الهوية والتاريخ الثقافي.

أحد السكان قال: “ترام الرمل ليس مجرد وسيلة نقل.. إنه جزء من تاريخنا وقصص حياتنا اليومية”.
توقف الترام أمس وربما توقف معه جزء من ذاكرة المدينة، لكن مع كل توقف، تفتح الإسكندرية بابًا جديدًا لمسار آخر، مفعمًا بالأمل والطموح نحو مستقبل يعانق الماضي ويبني حاضرًا يليق بتاريخها العريق.
