تحدثت في المقال السابق؛ والذي جاء بعنوان "الأموال مرآة التنمية" عن الشمول المالي، وتأتي فكرة المقال ببساطة حول استهداف تعميم الوصول إلى فتح حساب للمعاملات، بما يسمح بإتاحة الخدمات المالية على نطاق أوسع والتوسع في استخدام التطبيقات الرقمية المرتبطة بالخدمات المالية، ومن ثم الوصول إلى الفئات الأكثر احتياجًا وتنمية المناطق الأكثر فقرًا من خلال النجاح في تلك التغطية الإلكترونية، فمن خلال تلك الحسابات سيتم تخزين الأموال وإرسال المدفوعات وتلقيها. ومن مزايا الشمول المالي مساعدة الأسر والشركات على التخطيط وإمكانية توسيع النشاط التجاري والاستثمار في التعليم أو الصحة، وهو الأمر الذي يحسن من نوعية الحياة بشكل عام.
لأختتم المقال برؤيتي الشخصية والتي رأيت من خلالها أن استراتيجيات الشمول المالي يمكن أن تتطور في يوم ما لتتضمن كافة استراتيجيات التنمية، لتعكس الأموال في مختلف دول العالم جهود التنمية الدولية الفعلية، ومستويات المعيشة الحقيقية في مختلف المناطق الجغرافية، لتصبح الأموال مرآة للتنمية.
لأتساءل في هذا المقال حول دور المؤسسات المالية الدولية في تلك التوجهات، وبخاصةً البنك الدولي، فهل له دور في هذا التحول أم أن الأمر يرتبط بتوجهات كل دولة على حدة وما تراه يتلاءم مع جهودها التنموية.
لأعود إلى كتابي "مسارات الأموال والأعمال بين الشائع ومستقبل التغيير" وما قمت بعرضه وتحليله في ذلك الشأن، لأجد أن البنك الدولي قد أطلق مؤشر الشمول المالي العالمي Global Financial Inclusion Index، والذي يرصد قيام الحكومات وأصحاب العمل والأنظمة المالية بالإجراءات التي تضمن تحقق الشمول المالي، حسب نسبة السكان الذين يمكنهم الوصول إلى الخدمات المالية. ويُعرَّف الوصول إلى الخدمات المالية بأنه نسبة السكان البالغين الذين يمتلكون حسابًا في مؤسسة مالية. حيث تتركز رؤية البنك الدولي على أن الشمول المالي هو الوسيلة الرئيسية للحد من الفقر وتعزيز الرخاء.
وفي إطار الخطوات العالمية نحو تعزيز الشمول المالي، يلعب البنك الدولي دورًا بالغ الأهمية؛ حيث يضع نهجًا متكاملًا وموحدًا يستهدف منه مساعدة البلدان النامية في الحصول على الخدمات المالية وتحقيق الشمول المالي المسؤول، والذي يركز على عدد من الركائز المتداخلة، فيقدم المساعدة الفنية اللازمة للدول لتصميم وتنفيذ خطط عمل وخطط تفصيلية وطنية أو محلية معنية بتحقيق أهداف الشمول المالي، وما تضمنه من رؤى بشأن الخدمات المالية الرقمية. كما يوفر البنك الدولي إمكانية مساندة وتمويل تطوير البنية التحتية المعنية بالبيانات وطرق قياس الشمول المالي، ويسعى إلى تعزيز مشاركة المرأة وسكان المناطق الريفية وحصولهم على فرص التمويل بتقديم المنتجات أو الخدمات المالية. وكذلك اقتراح تقديم المنتجات المبتكرة المعنية بالخدمات المالية والتي تركز على شمول الفئات الأكثر احتياجًا والمناطق المهمشة، وكذلك امتداد الخدمات المالية والمساعدة الفنية على توسيع نطاق المنتجات المناسبة للأفراد والمؤسسات الصغيرة والمتوسطة والذين لا يحصلون على خدمات كافية، وذلك لضمان تكافؤ الفرص بين الجميع.
وعلى جانب آخر من توجهات سياسات البنك الدولي، نجد أن التوجهات التنفيذية التي يسعى إلى تنفيذها الرئيس الأمريكي ترامب على أرض الواقع والتي يبدأها من الولايات المتحدة الأمريكية، تتسق مع ركائز البنك الدولي التي يعتمد عليها في توجهاته الدولية، لتكتمل الصورة العالمية، فالرئيس الأمريكي يسعى إلى خفض تكلفة الاقتراض على الشركات والأفراد من خلال الحث على خفض الفائدة، كما تعكس توجهاته تشجيع الاستثمار والإنفاق الاستهلاكي، ورفع معدلات النمو الاقتصادي، ومن ثم زيادة الاستثمار في الأسهم ورفع تقييماتها، كما يسعى إلى خفض قيمة الدولار الأمريكي، لينعكس الأمر على الصادرات الأميركية لتكون أكثر تنافسية وبالتالي تقليص العجز التجاري، وخفض تكلفة الدين العام، فتلك هي الخطوات التنفيذية التي يستهدفها الرئيس الأمريكي ترامب على الأراضي الأمريكية، لتأتي متسقة مع ركائز التنمية للبنك الدولي والتي يسعى إلى ترسيخها في مختلف دول العالم، لأستشف علاقة خفية غير معلنة بين كل من ركائز البنك الدولي التي يتبعها، وتحركات الرئيس الأمريكي، فكلاهما يسير في ذات الاتجاه ليتخذ كل منهما طريقًا مختلفًا، لتكون نقطة التقائهما عن محطة إعادة تشكيل الاقتصاد العالمي.